فهرس الكتاب
وكذلك أيضًا، أكثر الناس يعجزون عن أفضل الأعمال، فلو أُمروا بها لفعلوها على وجه لا ينتفعون به، أو ينتفعون انتفاعًا مرجوحًا، فيكون في حقّ أحد هؤلاء العمل الذي يناسبه وينتفع به أفضل له ممّا ليس كذلك، ولهذا يكون الذكر لكثير من الناس أفضل من قراءة القرآن؛ لأنّ الذكر يورثه الإيمان، والقرآن يورثه العلم. والعلم بعد الإيمان، قال الله تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } [المجادلة: 11] ، والقرآن يحتاج إلى فهم وتدبّر، وقد يكون عاجزًا عن ذلك، لكن هؤلاء يغلطون فيعتقد أنّ الذكر أفضل مطلقًا، وليس كذلك، بل قراءة القرآن في نفس الأمر أفضل من الذكر بإجماع المسلمين، قال النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"أفضل الكلام بعد القرآن أربع، وهنّ من القرآن: سبحان الله، والحمد لله ، ولا إله إلا الله، والله أكبر"رواه مسلم، وقال له رجل: إنّي لا أستطيع أن أحمل من القرآن شيئًا، فعلّمني ما يجزئني في صلاتي، فقال:"قل: سبحان الله، والحمد لله ، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، ولهذا كان العلماء على أنّ الذكر في الصلاة بدل عن القراءة لا يجوز الانتقال إليه إلا عند العجز عن القراءة، بمنزلة التيمّم مع الوضوء، وبمنزلة صيام الشهرين مع العتق، والصيام مع الهدي. وفي الحديث الذي في الترمذي:"ما تقرّب العباد إلى بأفضل ممّا خرج منه"، يعني القرآن، وفي حديث ابن عبّاس الذي رواه أبو داود والترمذي وصحّحه، عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال:"إنّ لله أهلين من الناس"، قيل: منهم يا رسول الله؟، قال:"أهل القرآن هم أهل الله وخاصّته". وكان النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يقدّم أهل القرآن في المواطن كما قدّمهم يوم أحد في القبور، فأذن لهم أن يدفنوا الرجلين والثلاثة في القبر الواحد، وقال:"قدّموا إلى القبلة أكثرهم قرآنًا" [1] .
(1) أخرجه أحمد في المسند ( 16232 ) . وقد ذكره الشيخ بالمعنى.