فهرس الكتاب
وإن قلت: إنّ له إرادة تليق به، كما إنّ للمخلوق إرادة تليق به؛ قيل لك: وكذلك له محبّة تليق به، وللمخلوق محبّة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق به.
وإن قلت: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام؛ فيقال له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة، أو دفع مضرّة. فإن قلت: هذه إرادة المخلوق؛ قيل لك: وهذا غضب المخلوق.
وكذلك يلزم القول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته، إن نفى عنه الغضب والمحبّة والرضا ونحو ذلك ممّا هو من خصائص المخلوقين، فهذا منتفٍ عن السمع والبصر والكلام وجميع الصفات. وإن قال: إنّه لا حقيقة لهذا إلا ما يختصّ بالمخلوقين، فيجب نفيه عنه؛ قيل له: وهكذا السمع والبصر والكلام والعلم والقدرة.
فهذا المفرّق بين بعض الصفات وبعض يقال له فيما نفاه، كما يقوله هو لمنازعه فيما أثبته..."إلى آخر ما ذكر الشيخ."
ثمّ قال ـ رحمه الله ـ:"وهذا يتبيّن بالأصل الثاني، وهو أن يقال: القول في الصفات، كالقول في الذات، فإنّ الله ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات؛ فالذات متّصفة بصفات حقيقة لا تماثل سائر الصفات."
فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟ قيل له كما قال ربيعة ومالك وغيرهما ـ رضي الله عنهما ـ: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال هم الكيفية بدعة، لأنّه سؤال عمّا لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه.
وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربّنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟، فإذا قال: لا أعلم كيفيته. قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له، فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله، وأنت لا تعلم كيفية ذاته.."."