فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 99

وذلك أنّ كلمة"مع"في اللغة إذا أطلقت، فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة، من غير وجوب مماسّة، أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قُيّدت بمعنى من المعاني، دلّت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنّه يقال: ما زلنا نسير، والقمر معنا، أو والنجم معنا. ويقال: هذا المتاع معي لمجامعته لك، وان كان فوق رأسك، فالله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة. ثمّ هذه المعيّة تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلمّا قال: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا.. } إلى قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ..} [الحديد:4] دلّ ظاهر الخطاب على أنّ حكم هذه المعيّة ومقتضاها أنّه مطّلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، وهذا معنى قول السلف: إنّه معهم بعلمه. وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته. وكذلك في قوله: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ.. } إلى قوله: { هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا } الآية [المجادلة:7] . ولمّا قال النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لصاحبه في الغار: لا تحزن إنّ الله معنا، كان هذا أيضًا حقًا على ظاهره، ودلّت الحال على أنّ حكم هذه المعيّة هنا معيّة الاطلاع والنصر والتأييد. وكذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } [النحل:128] ، وكذلك قوله لموسى وهارون: {.. إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } [طه:46] ، هنا المعيّة على ظاهرها. وحكمها في هذه المواطن: النصر والتأييد. وقد يدخل على صبيّ من يخيفه، فيبكي، فيشرف عليه أبوه من فوق السقف، فيقول: لا تخف، أنا معك. أو أنا هنا. أو أنا حاضر. ونحو ذلك، ينبّهه على المعيّة الموجبة بحكم الحال دفع المكروه. ففرق بين معنى المعيّة، وبين مقتضاها. وربّما صار مقتضاها من معناها، فيختلف باختلاف المواضع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت