فهرس الكتاب
وأيضًا فإنّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ توضأ من قصعة فيها أثر العجين، ومن المعلوم أنّه لابدّ في العادة من تغيّر الماء بذلك، لا سيّما في آخر الأمر إذا قلّ الماء، وانحلّ العجين. فإن قيل: ذلك التغيّر كان يسيرًا. قيل: وهذا أيضًا دليل في المسألة، فإنّه إن سوى بين التغيّر اليسير والكثير مطلقًا كان مخالفًا للنصّ. وإن فرّق بينهما لم يكن للفرق بينهما حدّ منضبط، لا بلغة ولا شرع ولا عقل ولا عرف، ومن فرّق بين الحلال والحرام بفرق غير معلوم، لم يكن قوله صحيحًا. وأيضًا فإنّ المانعين مضطربون اضطرابًا يدلّ على فساد أصل قولهم، فمنهم من يفرّق بين الكافور والدهن وغيره ويقول إنّ هذا التغيّر عن مجاورة لا عن مخالطة. ومنهم من يقول: بل نحن نجد في الماء أثر ذلك. ومنهم من يفرّق بين الورق الربيعيّ والخريفيّ. ومنهم من يسوّي بينهما. ومنهم من يسوّي بين الملحين الجبليّ والمائيّ. ومنهم من يفرّق بينهما. وليس على شيء من هذه الأقوال دليل يعتمد عليه، لا من نصّ ولا قياس ولا إجماع، إذ لم يكن الأصل الذي تفرّعت عليه مأخوذًا من جهة الشرع، وقد قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا } [النساء:82] ، وهذا بخلاف ما جاء من عند الله، فإنّ ما جاء من عند الله فإنّه محفوظ كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر:9] ، فدلّ ذلك على ضعف هذا القول ).
القاعدة السابعة عشرة: ( الشارع لا يفصل بين الحلال والحرام إلا بفصل مبين لا اشتباه فيه ) [1] .
(1) مجموع الفتاوى: 21/ 517، والمسائل الماردينيّة: ص 32.