فهرس الكتاب
الله خاليا ففاضت عيناه"، هكذا ربى محمد أمته..! ص _123"
نظرة في ماهية الحياة أغلب الناس يرون الوجود كله هو المدة التى يقضونها على ظهر الأرض، ويقول قائلهم: ما مضى فات، والمؤمل غيب ولك الساعة التى أنت فيها! ولذلك يحرصون على العاجلة، ويكرسون قواهم في تحصيلها، وقد يهرم المرء وتهى قواه، ولكنه كما قال الرسول صلوات الله عليه:"يشيب"ابن آدم"وتشب فيه خصلتان الحرص وطول الأمل"! إنه ما بقى حيا فهو متشبث بالدنيا متطلع الى المزيد من متاعها، والحق أنه لا يكفكف هذه الرغبة ويكسر سوْرتها إلا إيمان بعيد الغور عميق الأثر! وقد شرح القرآن الكريم هذه الحقيقة في قوله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب) . وأولى الشهوات التى أحصتها الآية ما يسمى الآن الشهوة الجنسية وهى شهوة ضارية غالبة، قال عنها"ابن القيم"إنها بعض متاع الجنة! والواقع أن عمران الأرض مربوط بنشاطها، ولو كان نداؤها خافتا لكبتها كثيرون ممن يعرقون وراء لقمة العيش ويضنيهم عبء النفقة وطول التربية، ولكن الله جعل الشهوة الحيوانية بهذه القوة حتى يرضى الإنسان بتغبير الأقدام وراء الأرزاق، ومادام يقضى أربه فليدفع الثمن! ويرى"أبو حامد الغزالى"إن هذه طبيعة الدنيا، فما من شهوة فيها إلا تقاضت ثمنها، وما تتحمل النساء آلام الولادة، ويتحمل الرجال متاعب الكدح إلا لقاء لذة عابرة! بل إن الطعام الشهى الأثير يحتاج الخلاص منه إلى معاناة أكثر من الطعام المعتاد! يظهر أن الآخرة وحدها هى دار القرار! ص _124