فهرس الكتاب
قبس من لحظات الإشراق والتسامى كان لى أستاذ مشرق البصيرة صادق الإيمان إذا تحدثت معه نقلنى إلى جوه أو رفعنى إلى مستواه! ولذلك كنت أحرص على ملاقاته بين الحين والحين لأهرب من نفسى وأحيا في أفق أسنى. وأصحاب المشاعر العميقة لهم قدرة على تلوين الجو الذى يعيشون فيه وإطلاق أشعة تؤثر فيمن يقترب منهم..!، والمهم أن يكونوا أصحاب رسالات نبيلة وحملة عقائد خيرة، حتى يكون نشاطهم امتدادا لها وتوسيعا لدائرتها. أما أن يشغلنا امرؤ بنفسه أو مشكلاته أو أحزانه الخاصة فذاك مالا مساغ له. إن"متمم بن نويرة"أراد أن نبكى أخاه معه فحول الدنيا إلى مقبرة ينشج فيها ويرغمنا على النشيج معه، واسمع إلى هذين البيتين له في رثاء أخيه مالك: وقال أتبكى كل قبر رأيته لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك فقلت له: إن الشجا يبعث الشجا فدعنى فهذا كله قبر مالك! وكان"متمم"يستطيع أن يتصبر ويستسلم للقضاء، ولو فعل لكان ماله كما قال"ابن الرومى": ستألف فقدان الذى قد فقدته كإلفك وجدان الذى أنت واجد! لكن بعض الناس يجب أن يشغل العالم بنفسه ومصابه!!. إن عظمة النفس الإنسانية أن ترتبط بالله وتحيا له كما تحيا به! وهل نستمد وجودنا من غيره؟ فما معنى الذهول عنه؟ ورسالات السماء من بدء الخليقة قوامها رجال يعرفون الشعوب بالله ويهدونها إلى صراطه المستقيم، ولا ريب أن لهؤلاء الرجال اكتمالا روحيا وعقليا يجعل الجماهير تسمع منهم وتأخذ عنهم، بل إن السمو النفسى عند أولئك المرسلين أعلى كثيرا كثيرا من الارتقاء العقلى عند جمهور الفلاسفة. ص _130