فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 183

المسلم بين عمل الجوارح وغفلة القلوب الأفول طبيعة الكواكب فالشمس تشرق وتغرب والقمر يظهر ويختفى، والنجوم المسخرة تقترب وتبتعد، أما الشهود الإلهى على الحياة والأحياء فلا يغيب أبدا!! وكيف يغيب شىء عن الحى القيوم ومنه صدر وبه يبقى؟ إنه لولا إمداد الله للقلب ما استمر نبضه، ولولا إمداد الله للرئتين ما اتصل الشهيق والزفير!. إن المخلوق لا يبتعد عن الخالق ولا يستغنى عنه ولا يفلت من رقابته وعندما يحشر الناس يوم اللقاء الأعظم ليساءلوا عما قدموا يقول الله (فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين) . وقد تنوعت أساليب القرآن الكريم في توضيح الشهود الإلهى الدائم حتى تصح مراقبة الإنسان لله ويحسن الامتثال لأمره ونهيه، ففى المجالس صغيرها وكبيرها يقول تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا) . وفى الأحداث جليلها ودقيقها يصور هذا الحضور الإلهى الشامل بقوله عز شأنه (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير) . فأين المفر ممن هو بكل شىء بصير وبكل شىء محيط؟ أغريب أن يطالب الإنسان بمراقبة الله ورهبته، أو الاستحياء منه وتقدير نعمته؟. إن التربية الدينية قامت ـ في الإسلام ـ على الشعور بهذه الحقيقة، وتظاهرت شتى العبادات على توكيدها ومد رواقها، ويوم تكون العبادات حركات جسد لا وعى معه فقد فاضت روحها وانمحى أثرها وتحولت الأمة إلى ممثلين لا يرفعون رأسا ولا يطيبون نفسا. وأعتقد أن انهيار الحضارة الإسلامية في الأعصار الأخيرة جاء من الاهتمام بأعمال الجوارح والغفلة عن أعمال القلوب. ص _060

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت