فهرس الكتاب
الحديث المروي أن القلب الموحد قد تعرض له فورات إخلاص وصدق، تجعل كلمة التوحيد تنطلق من فمه، فما يقفها دون عرش الرحمن شيء! وما يشقى صاحبها بعدها أبدا. والتوحيد المذكور في هذه السنن يقوم على فقه لأسماء الله الحسنى، واصطباغ بمعانيها، والحامد لله أو المادح له أهل لأن يعود قرير العين. ويحضرني قول لأحد العارفين وقد سئل: ما أفضل الدعاء يوم عرفة؟ أجاب: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. قيل له: هذا ثناء، لا دعاء! قال: أما تعرف قول الشاعر: أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء! إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه من تعرضه الثناء! روى الطبراني أنه كان مما دعا به النبي عليه الصلاة والسلام عشية عرفة:"اللهم إنك ترى مكاني، وتسمع كلامي، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيئ من أمري؛ أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير... مَن خضعت لك رقبته، وذل جسده رغم أنفه... اللهم لا تجعلني بدعائك شقيا، وكن بي رؤوفا رحيما، يا خير المسؤولين ويا خير المعطين". وارتباط الثناء بالدعاء ملحوظ في قول النبي عليه الصلاة والسلام:"أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". وكذلك في قوله عليه الصلاة والسلام:"أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله". ولننبه إلى أن حركة الشفتين ـ والقلب وسنان ـ لا تعني شيئا ؛ أما عندما. يكون النطق ترجمة لشوق هائج، وفؤاد مفعم، فإن النعم على كثرتها تتصاغر أمام حمد مرسلها، والإحساس بمنته. ص _114