وقد عجب الجاهليون من ذلك وقالوا: (أبعث الله بشرا رسولا * قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا * قل كفى بالله شهيدا بيني و بينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا) . والنبي العربي الخاتم ضرب من نفسه المثل في إمكان أن يعيش البشر على مستوى الملائكة ذكرا لله وشكرا، والأفق الذي رفع الناس إليه لا تلمح فيه إلا صفوف المصلين المسبحين بحمد ربهم، أو صفوف المجاهدين الذين بذلوا في ذات الله أنفسهم وأموالهم. نعم، إن محمدا أنشأ جيلا من الناس يباهي الله بهم ملائكته، لأنهم قطعوا كل الجواذب الأرضية وكل إغراءات هذه الدار العاجلة، ومشوا وراء نبيهم المتفاني في مرضاة ربه، الناشد لوجهه وحده، المرتبط بهذه الكلمات النقية: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) . لا يعرف محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من احتبس في سجن الدنايا أو قعد عن نصرة الحق والخير. وينابيع الحياة العاطفية والفكرية في نفس الرسول الكريم"محمد"بن عبد الله تجيء من معرفته الساطعة بالله، وذكره الدائم له، وأخذه بنصيبه الضخم من معاني الكمال في أسمائه الحسنى. ذلك أن الله خلق آدم على صورته، واستخلفه في هذه الأرض ليكون نائبا عنه، ومكنه، بل كلفه أن ينشط في استغلال خيرها وامتلاك أمرها وأوصاه أن يحترم أصله الإلهي العريق، فلا يتدلى عنه إلى نزعات الطين ووساوس الشياطين. ص _017