الصفحة 112 من 137

هذا الذاكر العفيف النبيل هو الذي عنته الآية الكريمة (..وأما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى) . ما أكثر الألسنة المتحركة باسم الله، وأقل جدواها! وما أندر الأفئدة الخاشعة لذكر الله، وأحوج العالم إليها! إن فساد الأديان يجئ من تحولها إلى ألفاظ ومظاهر، وما يؤدي الدين رسالته إلا يوم ينشئ ضمائر حية وسرائر طهورا، وقلوبا ترمق الشهود الإلهي برهبة، ذلك هو الذكر الحق. ومن آثار هذا الذكر أنه يحكم غريزة حيث المال، فالذاكرون لا يلهيهم التكاثر، ولا تزري بهم طبائع الجشع والشح، هم يأخذون المال من حِله، ويضعونه في حقه، ولا يحبسونه ووجوه الخير تنتظره، بل هم كما قيل: لا يألف الدرهم المضروب صرتنا لكن يمر عليها وهو منطلق والغاشون من رجال الأديان سقطوا في حبائل المال وجمعه واكتنازه، فأعانوا أو سكتوا عن الحكام الفسقة، ومهدوا الطريق أمام الفلسفات الملحدة كي تحكم بعدما ساءت سمعة الدين، والمتحدثين باسمه. لكن النبي العربي المحمد وزع كل ما جاءه من أمواله على الناس، وخرج من الدنيا بلا ميراث لأهل، وربى رجالا يؤثرون وجه الله على متاع الدنيا كله: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) . والطريف أن العشرة المبشرين بالجنة كانوا من هذا الطراز الذي ملك الدنيا، ونزل عنها لله. ليس النجاح أن يكون المرء عديم المال والأهل، ولكن النجاح أن ص _124

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت