فهرس الكتاب
نبى المرحمة ونبى الملحمة لا يستطيع ذو خلق أن يتهم محمدا بأنه كان يريد برسالته بسطة في المال أو بسطة في الجاه، أو حظا من حظوظ الدنيا. والمعروف في سيرته أنه كان أعلى الناس هتافا بتوحيد الله وتمجيده، وأغير الناس ضد نسبة الشركاء والشفعاء إليه، وأرغبهم في تنفيذ أمره، وتوقير وحيه، وإبعاد الأهواء عما شرع للخلائق. وقد كان يحزن ـ إلى حد الاعتلال ـ لصدود الجهال عنه ويأسف لمضيهم في عماهم، ولكن الله عرفه أنه مكلف بالبلاغ، وحسب: (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى) . وأفهمه أنه لا يقتاد الناس إلى الصراط المستقيم قسرا، وأن الحماس والإخلاص لا يحملانه على هذا المسلك: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) . لكن أتباع الأديان الأخرى أحسوا الخطر من الدعوة الجديدة، ورأوا أن ترك صاحبها يتحدث معناه انصراف الناس عنهم، فإن الإسلام له بالنفس الإنسانية قرابة، أليس صدى الفطرة؟ إن العقل يتقبله على عجل، وإن القلب يرغب فيه دون تكفف. من أجل ذلك اتخذ أعداء الإسلام طرقا عديدة للصد عنه. ص _131