فهرس الكتاب
ولو كانت هذه الطرق مقارنة دليل بدليل، لرحب الإسلام بهذا النزال، واطمأن إلى نتائجه. لا.. إن الأمر مشى على سياسة الصلف والتحدي التي لا يحسن الأقوياء غيرها: (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا) . إن هذه السياسة فرضت على النبي الصبور المكافح أن ينتصب للدفاع عن رسالته، وعن المستضعفين الذين اضطهدوا معه لاعتناقها. إذا كنت تمشي في الظلام ومعك مصباح يضيء لك الطريق، فإنك قد ترفع مصباحك ليهتدي معك غيرك، وإن كره أحد الانتفاع بسناك فليتعسف السير وحده، وليتعرض للحُفر والمهالك ما شاء له هواه، (قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها) . لكن ما العمل إذا حاول سفيه يهوى الظلمة أن يكسر مصباحك؟ ويطفئ شعاعك؟ أليس من حقك أن تقاتله لتستبقي الهدى لك ولغيرك؟. إن ذلك ما فعله محمد، (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين * يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون * هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) . إن الذين يؤيدون سياسة تكسير المصابيح هم أشد الناس بغضا لمحمد، وكرها للرسالة التي جاء بها، وهم يدركون أن الضوء عدوهم لأنه يكشف باطلهم، ففي نور الحرية العقلية وحده يرفض الإنسان مبدأ التثليث في الألوهية ولو قيل له تسويغا لذلك: إن المثلث خط واحد! ويرفض رب ص _132