الصفحة 122 من 137

وأحس النبي عليه الصلاة والسلام أن التصدي لهؤلاء ما منه بد، وأن جهاد الماضي المر بالغ قمته اليوم، وأن حكم الله قد تتمخض عنه هذه الساحة التي مهدها القدر، فاتجه عليه الصلاة والسلام إلى ربه ينشد النجدة والحِمى. قال ابن عباس: قال النبى صلى الله عليه وسلم وهو في قبته التي أقيمت له ببدر:"اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تُعبد بعد اليوم.."فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده، فقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك، فخرج النبي وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر * بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) . وفي رواية: استقبل نبي الله القلة ثم مد يده فجعل يهتف بربه عز وجل يقول:"اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض". فما زال يهتف بربه مادا يديه، حتى سقط رداؤه. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشعر أن قريشا أقبلت بكبريائها وبطرها تريد أن تتوج اضطهادها للإسلام بيوم أغبر، وكان يعلم أن جمهرة المسلمين صابرت البأساء والضراء أمدا طويلا وهي متشبثة بدينها في وجه عناد شديد، فنظر إلى حالتهم قبيل القتال المرتقب وقال:"اللهم إنهم جياع فأشبعهم.. اللهم إنهم حفاة فاحملهم.. اللهم إنهم عُراة فاكسهم". لقد كلفهم الإيمان الكثير طوال السنين التي مضت. ولم يكن أحد يدري أن الله ـ تبارك اسمه ـ قد تأذن بتغيير الوضع كله، فأغرى قريشا بدخول معركة هي أغنى الناس عنها، ووضع المسلمين أمام أمر واقع لا يستطيعون عنه حولا، لِمَ؟ (و يريد الله أن يحق الحق بكلماته و يقطع دابر الكافرين * ليحق الحق و يبطل الباطل و لو كره المجرمون) . ص _134

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت