فهرس الكتاب
نعم، استجاب الرحمن لاستغاثة نبيه، وتنزل النصر المفاجئ فكان صاعقة كسرت ظهر الكفر، وجائزة ملأت أيدي المؤمنين بالخير، وصبغت وجوههم بالبشر. ولم يكن انتصار بدر هذا إلا فاتحة عهد آخر من الجهاد العسكري تجمعت فيه كل القوى المعادية للإسلام تريد الإجهاز عليه والخلاص منه. واستأنف النبي وصحبه العمل لربهم وآخرتهم. إن أطماع الدنيا لم تكن أمل هؤلاء الرجال الكبار! إن الموت من أجل المبدأ الجليل هو ما غرسه النبي فيهم، وهو أسعد نهاية يختم بها مؤمن حياته!. وقد تعلق المسلمون بهذا المعنى في أيام الرخاء والعافية، فهم في الأمن والضخة يسألون الله الشهادة كما جاء في الحديث:"من سأل الله القتل من نفسه صادقا ثم مات، أو قُتل، فله أجر شهيد"وفي رواية"من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله تعالى منازل الشهداء، وإن مات على فراشه". وبذلك التجرد لله تكونت أمة وراء نبيها تنصر الحق، وتثأر له، ولا تبالي بأنصبتها من الدنيا، وكانت دنياها في الأغلب رقيقة لما ارتبطت به من تكاليف، ولما حل بها من غربة. عن أنس بن مالك: خرج رسول الله إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، صباح شتاء قارس، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:"اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة"، وكانوا يحفرون التراب وينقلون أكوامه على ظهورهم، وينشدون: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا كان رسول الله حريصا على أن يكون القتال لله لا لدنيا عارضة، وكان يأبى على رجاله أن ينشبوا الحرب أو يستمروا الخصوم. فعن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس ـ خطيبا ـ قال:"أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ص _135"