فهرس الكتاب
لما تألم المتنبي لشر ناله من سيده سيف الدولة قال: فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا فأفعاله اللائي سررن ألوف! إن الموقف هنا شيء آخر، فإن النبي الجليل عد ما وقع قدرا يعلم الله حكمته، ولا يجرؤ على وصفه بالسوء، أنه يستعيذ بالله من شر ما أعطى ومن شر ما منع على سواء، فربما كان العطاء مخوف العقبى، وربما كان المنع ألما في الحاضر، وخيرا في المستقبل. وحصن المؤمن أولا وآخرا هو الله تبارك اسمه. وقد ختم الرسول دعاءه باستنزال بأس الله على المشركين، ثم ضم إليهم الكفار أهل الكتاب، وذاك أن اليهود في المدينة كانوا يتربصون الدوائر بالمسلمين. إنهم سيفرحون كثيرا لما حدث، حسبهم الله!. ولا شك أن ضربة أحد كانت موجعة، بيد أنها نفضت المجتمع الإسلامي نفضا شديدا، فامتاز المنافقون، وانعزلوا بغشهم وخداعهم، وتعلم المسلمون كيف يواجهون الأحداث بإيمان حر، وصف ملتئم. وشمت اليهود للنكبة النازلة، ولكن لم تمض سنون حتى نزل بهم أضعافها، ثم تركوا قلب الجزيرة إلى حيث ألقت. قد يتحدث المؤرخون عن محمد المقاتل، وقد يصفون عبقريته العسكرية ولكنهم يخطئون الخطأ الجسيم حين يعزلون هذا الجانب عن الجوانب الأخطر والأهم من سيرته الشريفة. لقد قاتل حين كان سفك الدم قصاصا لضمان الحياة، أو حين يأمر بقتل مجرم، ولا يرون الطبيب مقاتلا حين يأمر ببتر عضو. إن القتال الذي خاضه محمد وصحبه كان في سبيل الله، وما كان في سبيل مأرب شخصي، أو مجد ذاتي، أو توسع إقليمي أو عرض آخر مما ألفه المؤرخون في سير القادة، والساسة على اختلاف العصور. ص _141