صباح يصبح العباد إلا مناد ينادي: سبحان الملك القدوس ـ وفي رواية ـ إلا صرخ صارخ: أيها الخلائق سبحوا الملك القدوس. أكاد أقول: إن فؤاد محمد وحده، وهو الذي أصاخ إلى صوت الصارخ المهيب بالبشر أن يمزقوا حُجب الغفلة، وأن يتوبوا إلى الملك القدوس. وافتنانه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في التذكير هو أثر استغراقه في الذكر، ورؤيته لذي الجلال. وجمهور الفقهاء لا يُلزم الأمة بترديد الأذكار والأدعية التي نقلناها وننقلها هنا. إن ترديدها مستحب وحسب، وهذا صحيح. بيد أني أرى طول التأمل في هذه الأذكار والضراعات لا بد منه حين يعتل القلب، وتضعف بالله علاقته، فإن أثرها قوي في تعريف المرء بربه، وتبصيره بمعاني الأسماء الحسنى. إن الإيمان الغامض قليل الجدوى، والإيمان الفاتر أعجز أن يهيمن على السلوك، أو يكبح الهوى. والواقع أن أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يحتلوا في الإيمان مكان القمة، ولم يغيروا التاريخ الإنساني، ويقيموا حكما مكان حكم، وأخلاقا مكان أخلاق، إلا لقربهم من حياة الرسول، واقتباسهم من سناه، وسريان الإخلاص من قلبه إلى قلوبهم، وحب الله من فؤاده إلى أفئدتهم. هذه طباع الناس، ربما هاج أشواقهم الهامدة شوق حار، على ما قيل: وذو الشوق القديم وإن تسلى مشوق حين يلقى العاشقينا وأرى أن الاستماع إلى النبي وهو يدعو، واستبطان عواطفه وهو يناجي يشعل البصائر المنطفئة، ويدفعها دفعا إلى الإقبال على الله. وليكن هذا اللون من الأدعية نافلة، فهناك قدر مفروض من الاتصال ص _023