إن لمحبة الله في قلب هذا الإنسان المتبتل مكانة لا يزحمها شىء أبدا. ولقد ربى ـ عن طريق المحراب ـ الرجال الذين قادوا الإنسانية بعده ثقافيا وسياسيا، فما رأت الدنيا حضارة أشرف ولا أتقى مما صنع هؤلاء الربانيون من رجال محمد. رباهم بوحي قريب العهد بربه، فإذا الصحراء الغفل تتحول إلى معهد يخرج أعرف الناس بالقيم والشرائع، وأحق الناس بالإمامة والسياسة. كانت القلوب ـ وهو يقرأ القرآن ـ تكاد تطير من الروعة والخشوع وكان الأصحاب يرمقونه وهو يرثيهم، فما يملأ أحد عينه منه مهابة وإعزازا. ولقد شعر الرسول الخاتم أنه أدى رسالته عندما نظر في مرض الموت إلى المصلين في المسجد، فرآهم مقبلين على الله، خالصين للحق، فاستنار وجهه كأنه صفحة مذهبة. ذاك كل ما يريد !! ما يبغي ألا أن يلقى الله بهذا الثمر الحي لجهاده الدؤوب. تُرى هل تعود المساجد يوما مصانع للرجال كما كانت قديما؟ إن الأماكن متشابهة ولكن السكان... غير ما نهوى!. كأن مجنون ليلى كان يصف مشاعرنا عندما قال: أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائها ص _026