لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا، ولم أسد فقرك". وأعرف أن بعض الناس قد يسارع إلى إنكار هذا الحديث، يحسب أن المقصود منه العكوف في المحاريب! وما درى هؤلاء أن جوهر العبادة إسلام القلب والوجه لله، ثم تغبير القدم في ميدان الكدح الشريف دون جزع ولا هوان. إن العبادة كما هي ضراعة وتسبيح، قدرة على امتلاك الحياة وتسخيرها لله، ولإعلاء اسمه. بل إن الوعي الصحيح بحقوق الله يرتبط بالمعنى الثاني أكثر من ارتباطه بالمعنى الأول. المعنى الأول علم، والمعنى الثاني تدريس لهذا العلم ونشر لحقائقه وجهاد دونه، وهذا عمل الأنبياء ومن سار في آثارهم. والعبودية لله درجة من الكمال لا تُتاح لكل أحد، بل يرشح لها من استجمعوا خصالا معينة. هناك عارفون بالله، ولكن المعرفة تتفاوت وضوحا وغموضا وسطحية وعمقا. وهناك مطيعون لله، ولكن الطاعة تتفاوت نشاطا وكسلا، وخفة وثقلا، وتكلفا وترحيبا. والعبودية الكاملة إنما يحظى بها من أشرق يقينه وطار إلى ربه بجناح من الشوق والحب. وفي طباع الناس حب لأنفسهم ربما سيطر على مسالكهم كلها، وهؤلاء محجوبون عن الله أبدا، وليس يرقى إلى درجة العبودية إلا امرؤ أحب الله، وأحب فيه، واكترث بشؤون غيره، وهش لمصالح الخلق، وضاق بآلامهم. ص _008"