فهرس الكتاب
والمتدبر في الآيات المختارة يرى أنها تمهد لذلك، وتوجه لتأسيس أسرة يقوى بها الإسلام، وتدعم بها الأمة، فالزواج عقد خطير الآثار. وتمضي السنون، ويتحول الزوجان إلى والدين، ويضحي كل منهما معلق القلب بنشء وافد يعده امتداد حياته، وتنمو الأسرة فتصير أربعا، وثمانيا، وعشرا. وحين يمتد الزمن بالأبوين يكبر الصغار ويسيرون في ذات الطريق الذي سلكه من قبلهما، ترى ما مسلك هذه الأجيال الجديدة بالنسبة إلى من مضى؟. يقوله عز وجل: (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين) . إن الجيل الحاضر يُحيي الخالق الأعلى، ويذكر آلاءه على الجيل الماضي ويستنزل فضله على الجيل اللاحق، تلك هي وظيفة البيت المؤمن، وربط الناس بربهم، وحراسة تقاليد العبادة والشرف التي وضعها لهم. فلا عجب إذا كانت حملة العرش تدعو لأهل هذه البيوت المحافظة: (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم * ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم) . وسنرى أن البيت الأول في الجماعة الإسلامية، أعني بيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ص _048
ومن فيه من أمهات المؤمنين، كان الأسوة الحسنة في طلب الآخرة وصدق الإقبال على الله. كان البيت النبوي بيت ترفع على الرفاهة والترف، وإدمان للذكر والتلاوة وقيام لليل، يملأ آناءه بالتهجد، والثناء على الله. والحق أن الأسرة الإسلامية أعلى عناصر التربية والتوجيه، والحفاظ عليها ضمان للاستقامة، وسناء الخلق، وسلامة الوجهة. وسنرى بعد قليل كيف كان البيت النبوي منارة اليقين والتقوى في حياة الأمة الإسلامية كلها. ص _049