فهرس الكتاب
لكن الحياة لا تتطامن لهؤلاء وترضيهم، فهم منها على وجل، وما تنقضي حاجتهم إليها، وقد ذهب يشكو إلى الرسول هذا الاستيحاش المعنت، فنصحه بذلك الدعاء، الذي يدفعه دفعا إلى الأنس بالله. على أن النبي عليه الصلاة والسلام يكره تحول الوحشة إلى عجز، أو أن يكون ذكر الله ستارا لهزيمة نفسية لا تليق، عن عوف بن مالك: قضى رسول الله عليه الصلاة والسلام بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل.. فقال رسول الله:"إن الله تعالى يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس ـ بالعقل والعزم والمثابرة ـ فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل". إن البصر الثاقب لم تفته حالة الرجل المحكوم عليه، لقد ملكه الفشل فولى يستر ضعفه واستسلامه بهذه الكلمة: حسبي الله ونعم الوكيل، إنها هنا كلمة حق أريد بها باطل. عندما قال هذه الكلمة الذين هُزموا بالأمس في أحد، ثم أصبحوا يتحاملون على جراحهم، ويحشدون آخر ما لديهم من وسع ليثأروا من مشركي مكة لم يضعفوا، نعم لما قيل لهم: (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) .. قالوا: ليبارك الله في عزمهم وبذلهم واستئنافهم لجهاد المبطلين. للكلمة هنا معناها المحبوب المقبول. وما يجوز أن تقال الكلمة تسليما بالأمر الواقع، وتقاعسا عن تغييره، وانتظارا من السماء أن تدافع عمن لا يدافع عن نفسه. لابد لضمان السماء من سعي، لا بد للأمل من عمل. من أجل ذلك قال عمر: لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ثم يقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا، ولا فضة. ص _052