فهرس الكتاب
على أن الحياة المعاصرة لا تشكو من متوكلين لا يعملون، وإنما تشكو من عاملين لا يتوكلون، فإن الصبغة المادية سادت القارات المعمورة. والناس يغدون من بيوتهم وهم يتلهفون على صيد ثمين ينقضون عليه، وإذا أمكنتهم الفرص من مأرب سال لعابهم لآخره؟ إنهم يأكلون ولا يشبعون، ويشربون ولا يرتوون. وفي هذه الحمى لا تعلق للقلب إلا بالمزيد من الحطام. فإذا حدث أن استعصى رجل على هذا المنحدر، وتراجعت إلى فؤاده خصائصه العليا، واستبان وجه ربه وسط ركام من ضباب الأهواء، فذكر اسمه، ووحيه، وتشبث بآياته وتوجيهاته، فأي ثواب يكون له؟ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة". إن هذا الأجر الجزل ليس لألفاظ تمرق من الشفاه، إنها لحال من الثقة في الوجود الأعلى، والفضل الأعلى، تجعل الرجل يركن إلى من بيده الخير، فلا يحتال، ولا يغتال. وقد أكد الأئمة أن هذه الأجور الكبيرة لا توضع بإزاء الأعمال الصغيرة، ولا الهمم الصغيرة. وفي ميدان الارتزاق والكدح للنفس والولدان، قد يختلط الطيب والخبيث والنقي والمغشوش، والمسلم يعلم أنه لا يدخل الجنة لحم نبت على سُحت، وأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، ومن ثم وجب على المؤمن أن يتحرى، وقد علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الدعاء:"اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك"."اللهم إني أسألك علما نافعا، ورزقا طيبا، وعملا متقبلا". ص _053