فهرس الكتاب
وفي زحام الدنيا ربما تعرض المرء لما يسوؤه، وربما استفره السفهاء ليجهل عليهم، أو ليثأر لنفسه منهم، وخير له إذا خرج من بيته أن يضمر التجاوز والسماحة. روى أنس بن مالك أن رسول الله قال:"أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم"؟ قالوا: ومن أبو ضمضم يا رسول الله؟ قال:"كان إذا أصبح قال: اللهم إني قد وهبت نفسي وعرضي لك، فلا يشتم من شتمه، ولا يظلم من ظلمه، ولا يضرب من ضربه"!. وزحام الدنيا غاص بالمثيرات النفسية والاجتماعية، والإقبال عليها ناشب بأعماق النفس، والأمر يحتاج إلى أن نشرح موقف الأنبياء منها، تمهيدا لإيضاح موقف النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام. الأنبياء بشر أمثالنا، ومناصبهم العالية لا تسقط عنهم مشاق التكاليف ولا تريحهم من أعباء الواجبات المفروضة، بل الصحيح أنهم أشد بلاء، وأكثر عناء، وذاك معنى قول العلماء: العصمة لا تمنع المحنة، أي لا تمنع الاختبار، وضروب التمحيص. كان يوسف بشرا يضيق بالسجن ويتشوق للحرية، يوم قال للسجين الذي يتوقع الإفراج عنه: اذكرني عند ربك.. ولم لا يذكره، وهو بريء مظلوم؟ وهذا السجين الخارج يعرف عن يوسف أنه من الصالحين المحسنين، فليحدث عنه الملك الذي سيعمل معه. وشاء الله أن ينسى السجين الخارج، وأن يبقى يوسف بضع سنين. حتى جاء اليوم المقدور، وأرسل الملك إلى يوسف يستقدمه، ولكن يوسف كان قد بلغ حدا من الاكتمال والتأني جعله يتريث في الاستجابة ويقول: أولا اعرفوا موقفي من القضية التي اتهمت فيها. ثم خرج يوسف ليتولى شؤون المال في مصر. وكان موسى بشرا يحس لذع الغربة في أرض مدين، فلما سقى للفتاتين أوى إلى الظل وناجى ربه: (رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) .. ص _054