فهرس الكتاب
أي لاستعجلت الفرج، وتركت السجن، غير منتظر سؤال النسوة وجوابهن المعروف. إنه هنا ـ مع تواضعه البادي ـ يقرر الطبيعة الإنسانية في التلهف على الحرية، وكره عالم السدود والقيود. والذي نخلص منه بعد هذا التقديم أن الأنبياء تهزهم المشاعر الفطرية التي تهز جمهرة البشر، وأنهم عندما يقدمون في مواطن الوغى لا يأخذون أمانا من الموت، وعندما يبذلون المال لا يأخذون ضمانا من الفقر. إن أخلاقهم العلا تكلفهم كل مغارم العظمة التي يدفعها الآخرون. ويبقى بعد ذلك تفرد المرسلين بأن أوجهم الذي يعيشون فيه لا يسمح لهم أبدا بالتدلي، فهم أزكى مكانا، وأسنى منالا. ونتساءل بعدئذ عن علاقة محمد عليه الصلاة والسلام بالدنيا؟ أكان يحبها أم ماذا يعافها؟. ونجيب: إنه كان يعرف الدنيا معرفة الخبير، ويتذوقها تذوق المعافى السليم، بيد أنه كان مشغولا عنها بما هو أعظم وأشرف. إن المجد الإلهي استغرقه، فجعل في الصلاة قرة عينه، وفي الصيام مسرح روحه، وفيما عند الله شغلا عن كل جاه يسعى إليه طلاب الجاه. وقد فرض هذا النمط من الحياة على زوجاته، وأفهمهن أن طالبات الدنيا لا مكان لهن عنده: (إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا) . ولكنهن شغلن بما عناه، واجتهدن أن يرتفعن إلى مستواه، من الذكر والعبادة وطول الإقبال على الله. عن جويرية أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي خرج من عندها بكرة، حين صلى الصبح، وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى، وهي جالسة فيه، فقال:"ما زلات اليوم على الحالة ص _056"