فهرس الكتاب
القرآن!! فقال ابن مسعود: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال عليه الصلاة والسلام:"إني أحب أن أسمعه من غيري". ويقرأ عبد الله من أول سورة النساء حتى يصل إلى قوله سبحانه: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا!؟) والتفت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ، فإذا عيناه تذرفان، قال له:"حسبك..". ويواصل الصيام،؟ فلا يفطر مع الغروب، ويحاول بعض صحبه أن يقلده فيقول لهم الرسول مانعا:"إنكم لستم كهيئتي، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين". إن تبتله إلى الله أحدث تغييرا عضويا في كيانه البشري، وجعله يتقلل تقللا خطيرا من الطعام والشراب، لأنه يحيا في ملكوت آخر. ومع هذا البعد الروحاني الساحق فقد كان يعيش بين الناس خبيرا بطباعهم، شاعرا بقضاياهم، يبيت فيها باسم الله، فما ينحرف قيد أنملة عن الصراط المستقيم. هل يمكن أن يكون موقفنا نحن من الدنيا على هذا الغرار؟ لا، ما نستطيع ولا كُلفنا. إن بعض الفقراء والزهاد والمتصوفة حاول أن يخاصم الدنيا، ويعيش على هامشها، وأن يتشبه برسل الله في سيرتهم المترفعة، وهيهات!. إن حمرة الخجل لا تصنعها بعض المساحيق المحلوبة، والأزهار الصناعية قد يكون بها شبه من الأزهار الطبيعية، بل لعلها أبقى على الأيام. لكن أين عصارة الحياة، ونعومة الملمس، ونفح الرائحة الذاتية؟. ربما نام ناس على الحصير فانطبعت عيدانه في جلودهم. هل يمنحهم ذلك شبها بالرسول الذي رمق الدنيا بنظرة غائبة لأن فؤاده حاضر مع ربه، يقظان في حضرته، مستغرق في شهوده؟ إن الرجل لا يكون قائدا لأنه عثر على بدلة قائد فلبسها. ص _058