الصفحة 5 من 137

شغفت بسير العباد الصالحين، وحاولت أن أقبس منها شعاعا استضىء به. كنت بقلبي مع موسى في مدين، وهو يحس لذع الوحشة والحاجة ويقول: (رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) . وكنت مع عيسى وهو يواجه مُساءلة دقيقة ويدفع عن نفسه دعوى الألوهية: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد) . وكنت مع إبراهيم وهو بوادي مكة المجدب يسلم ابنه للقدر المرهوب، ويسأل الله الأنيس لأهله: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) . غير أني انبهرت وتاهت مني نفسي، وأنا بين يدي النبي الخاتم محمد بن عبد الله، وهو يدعو ويدعو. لقد شعرت بأني أمام فن في الدعاء ذاهب في الطول والعرض لم يؤثر مثله عن المصطفين الأخيار، على امتداد الأدهار. ولست في مقام مفاضلة بين أحد من النبيين، إنها حقيقة علمية رأيت إثباتها في صفحات قلائل، مشفوعة بالدلائل التي تزدحم حولها. وقد نقول: أعلى جبل في الأرض جبل كذا في الهند! وما نقصد النيل من الجبال الأخرى، إنه ذكر حقيقة. قد نقول: إن الشمس أكبر من القمر سبعين ألف ألف مرة. ليكن! ذاك تقرير حقيقة. ص _010

وفي هذا الكتاب سياحة محدودة في جانب شريف من جوانب السيرة، جانب الذكر والدعاء. ما فيه من توفيق هو محض الفضل الأعلى، وما قد أخطئ فيه هو رشح نفسي الأمارة بالسوء. ورجائي أن يقبل ربي هذه الكلمات في ميزان الحسنات، كما أرجوه - تبارك اسمه - أن يقبل صلواتي على النبي العربي المحمد، وأن يسعدنا جميعا بشفاعته. محمد الغزالى ص _011

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت