فهرس الكتاب
الله علم وهدى، وبدأ فقيرا يكدح ليحيا، ويضرب في أرجاء الأرض ليصون وجهه وعرضه، ولكن الله أغنى. وفي صفة هذه البداية وفي تقرير ما يترتب عليها يقول الله تعالى: (ألم يجدك يتيما فآوى * و وجدك ضآلا فهدى * و وجدك عآئلا فأغنى * فأما اليتيم فلا تقهر * و أما السائل فلا تنهر * و أما بنعمة ربك فحدث) . والنعمة الوسطى بين هذه النعم الثلاث، الهدى بعد الضلال ـ كما عبر السيد وهو يخاطب عبده ـ احتاجت إلى سورة لتوضحها، وتكشف حقيقتها، وهي سورة الانشراح، فإن النبي عليه الصلاة والسلام نشأ في بيئة أثقلتها الجاهلية بأنواع التخفف، ومع ما فيها من سوء فهي أزكى وأسلم من البيئات التي ملأها أهل الكتاب بالتزوير والغش. وقد عاف النبي مآثر الجاهلية، كما رفض شرود النصارى واليهود، فما عساه يصنع؟ لا شيء. لقد اعتزل بفطرته النقية بعيدا، ضائقا بأحواله وأحوال الآخرين، فهو ما يستطيع أن يُسدي لأحد علما، ولا لنفسه، فمن أين له؟. والإنسان ذو الجو المرهف تشقيه أزمات الضمير والفكر، وتجعل الحياة في عينه أضيق من سم الخياط، وما يعريه متاع الدنيا كلها لو أتيح له، كذلك كان محمد حتى فجأه الوحي. وفي ذلك يقوله الله له: (ألم نشرح لك صدرك) ؟ بفيض الحقائق الأدبية التي ألهمتها؟ (و وضعنا عنك وزرك) ؟ انزاح الحمل الثقيل الذي كان يبهظك وأنت مستوحش حائر منقطع؟ (الذي أنقض ظهرك) لقد كنت بهذا الحمل تهرب من المجتمع، وتأسى لنفسك ولغيرك، وتألم لعجزك، وغربتك عما حولك، ثم اجتباك الله.. ومن أرفع ممن يختاره رب الأرض والسماء ليهديه ويهدي به العالمين؟ (و رفعنا لك ذكرك ) . ص _0 ص