فهرس الكتاب
ولم لا يفرح بأثر الوحي النازل عليه إذا صحبه اليقين الحاز والعمل البار؟. إن الجانب الغيبي في هذه المرويات ما يمكن إنكاره، وكذلك ما يمكن تعميمه بين أهل السبق والتقصير، أو بين من لهم بالله علاقة وثيقة ومن يمتون إليه بأوهى الصلات. وأغلب الصالحين يستمد صحته الجسدية، ومقاومته للأدواء والأوجاع من هذا النبع الجياش في فؤاده يمده بعفو الله، وعافيته. ونعود إلى إمام الصالحين محمد بن عبد الله لننقل عنه أنه كان يغالب المتاعب العارضة باللجوء إلى الله والاستعاذة به. قد تقول: إننا عرفنا عنه سلامة البدن وقوته، وأنه أوتي من ذلك ما لم يؤت غيره، فمن أين تجيئه هذه الأسقام الملجئة إلى التعوذ والضراعة؟. ونقول: لا ريب أن خاتم المرسلين أوتي بسطة في العلم والجسم تعينه على أضخم رسالة حملها بشر. لكن سهر الليل في التهجد والتلاوة، وسبح النهار في العبادة والكدح، والجهاد المتصل، وحمل آلام الخلق، واطراد هذه المعاناة ربع قرن وهي تربو، ولا تخص.. مع تخفف مستغرب من الطعام والشراب، هذا كله أعيا الجسد الجلد، وأرهقه. لقد رمقت عددا من كبار القادة فوجدتهم يتناولون مقادير كبيرة من المنبهات والمقويات، ويستهلكون مقادير أخرى من المآكل والمشارب، على حين رأيت في سيرة محمد أنه يحتاج إلى الطعام، فيؤتى له بخل- إذ لا يوجد غيره- فيغمس فيه اللقيمات المتاحة، وهو راض يقول:"نعم الإدام الخل"، أو لعله لا يجد شيئا فينوي الصيام إلى الغروب. أى جسد يتحمل مع هذا الإقلال أعباء الغزوات التي قصمت الوثنية، وأعباء التربية التي أطلعت من الجزيرة القاحلة رجالا أضاءوا العالمين. إن الإمدادات الروحية الهابطة من السماء هي من وراء هذه الأعصاب الحديدية: ذكره لله، ودعاؤه لله، وتفويضه لله. ص _093