فهرس الكتاب
فلانا، ولم يكن فلانا؟ إنه سؤال دائر لا نلتزم له بإجابة، ومع ذلك فإن أفعال الحج في جملتها معقولة، ولها حِكَم بينة. من حق الإنسانية أن تعتز بذكرياتها القديمة، وأن تحيط هذه الذكريات بأسوار من المهابة والتقديس إذا كانت تتصل بعقائدها وقيمها. ومناسك الحج جزء من تاريخ جليل، ومفاتح لخزائن من الروحانية الدافقة والعاطفة الجياشة، ومن ثم كان الارتباط بها ركنا في الدين: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) . ويحتاج هذا الكلام إلى شرح معقول! لماذا تنطلق قوافل البر والبحر والجو صوب البيت العتيق، مُقبلة من القارات الخمس، وفي الأفئدة شوق وفي العيون بريق؟ الحق أن البيت المقصود جدير بهذا الإعزاز كله، فقد بناه أبو الأنبياء إبراهيم ليكون حصنا للتوحيد ومُلتقى للركع السجود بعدما اشتبك عليه السلام مع الوثنية الأولى في صراع حياة أو موت، وقد انتصر إبراهيم في معركة الوحدانية، ورفع هو وابنه إسماعيل قواعد هذا البيت توكيدا للنصر، ومراغمة للكفر: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) . إن المسجد الأول في العالم جدير بأن تُشد إليه الرحال، وأن تجيء إليه الوفود بين الحين والحين لتؤدي له التحية. وكل مسجد يُبنى في المشارق والمغارب بعده ينبغي أن يرتبط به وأن يتجه إليه، ولذلك كان هذا المسجد المحترم قبلة للمؤمنين كافة: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) . وشيء آخر في تاريخ الإنسانية يشدنا نحن المسلمين خاصة إلى هذه ص _103