فهرس الكتاب
لبى ما عن يمينه ويساره من شجر، وحجر، ومدر، حتى منقطع الأرض من ها هنا، وها هنا"ولا عجب أن يتجانس الكون المسبح بحمد الله مع إنسان انخلع عن نفسه، وانطلق في سفر صالح يبغي مرضاة الله. وكان النبي عليه الصلاة والسلام لا يريد سفرا إلا قال حين ينهض من جلوسه:"اللهم إليك توجهت، وبك اعتصمت، اكفني ما أهمني وما لا أهتم به. اللهم زودني التقوى واغفر لي ذنبي، ووجهني للخير أينما توجهت. اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال والولد". إن الحاج إنسان متبتل إلى الله، متلهف على رضاه، متطلع إلى مثوبته متخوف من عقوبته، يتحرك كل شيء في بدنه بمشاعر الشوق والرغبة والحب ولا أعرف جمعا أهلا لرحمة الله ومغفرته كهذا التجمع الكريم. والسعي بين الصفا والمروة يقع عادة بعد الطواف، وشعائر السعي تجديد وتخليد لمشاعر التوكل على الله كما استقرت في قلب"هاجر"أم إسماعيل، وكما استقرت في قلب رجلها إبراهيم الخليل. إن التوكل شعور نفيس غريب، وهو أغلى من أن يخامر أي قلب، إنه ما يستطيعه إلا امرؤ وثيق العلاقة بالله حماس بالاستناد إليه والاستمداد منه. وعندما ينقطع عون البشر، وتتلاشى الأسباب المرجوة، وتغزو الوحشة أقطار النفس، فهلا يردها إلا هذا الأمل الباقي في جنب الله! عندئذ ينهض التوكل برد الوساوس وتسكين الهواجس. إنني بعين الخيال أتبع"هاجر"وهي ترمق وليدها الظامئ، ثم تجري بخطوات والهة هنا وهناك ترقب الغوث وتنتظر النجدة. إن ظئها بالله حسن، وقد قالت لإبراهيم عندما تركها في هذا الوادي المجدب الصامت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت في رسوخ: إذن لا يضيعنا. وها هي ذي تتعرض للمحنة، وتنتظر تدخل السماء. وتدخلت السماء، وتفجرت زمزم، وغني الوادي بعد وحشة، وصار الرضيع المحرج أمة كبيرة العدد عظيمة الغناء، ومن نسله صاحب الرسالة العظمى، ومن شعائر الله هذا التحرك بين الصفا والمروة تقليدا لأم إسماعيل، وهي ترمق الغيب بأمل لا"