الصفحة 6 من 27

وقد اختلف الأئمة في الحكم على رواية المدلس، فقيل: ترد مطلقًا، وهو قول نظري. وقيل: تقبل مطلقًا ما لم يتبين في حديث بعينه عدم سماع المدلس من المدلس عنه. وقال الجمهور بالتفصيل وهو الصحيح، وذلك أنه لا يقبل من روايته إلا ما بين فيه الاتصال بينه وبين شيخه، مع ملاحظة الاتصال فوق ذلك فيمن عرف بتدليس التسوية. وقد احتمل تدليس البعض.

ولم يعتن النسائي حالة حكمه على الرجال بالإشارة إلى تدليس من عرف به منهم، ففي القسم المخصص للدراسة بين حكم رواية مدلس واحد فقط وهو بقية بن الوليد فقال: (إن قال: أخبرنا أو حدثنا، فهو ثقة، وإن قال: عن، فلا يؤخذ عنه، لا يدرى عمن أخذه) وقال فيه ثقة وإن قال: عن، (لا يؤخذ عنه لا يدرى عمن أخذه) وقال فيه أيضًا: (إذا قال: حدثني وحدثنا، فلا بأس) . لكن أبا عبد الرحمن سرد أسماء جماعة من المدلسين فقال: (ذكر المدلسين: الحسن وقتادة، وحميد الطويل، ويحي بن أبي كثير، والتميمي، ويونس بن عبيد، وابن أبي عروبة، وهشيم، وأبو اسحاق السبيعي، واسماعيل بن أبي خالد، والحكم، والحجاج بن أرطأة، ومغيرة، والثوري، وأبو الزبير المكي، وابن أبي نجيح، وابن عيينة) [1] ، وذكر ابن حجر في مقدمة تعريف أهل القول السابق من هذه الرسالة أو أنه كلها.

وفي ختام هذا الموضوع - أعني منهج النسائي في التوثيق والتعديل- أشير إلى أن أبا عبد الرحمن يعد من المتشددين في التوثيق والتعديل [2] من جهة استعماله بعض العبارات في درجة أرفع مما هي عليه في اصطلاح المتأخرين. كعبارة: (ليس به بأس) فإن أكثر الذين وصفهم بها هم ثقات مطلقًا، بل إنه قال في جماعة كبيرة منهم في موضع آخر: (ثقة) . لذا فهي أرفع عنده من عبارة: (صندوق) . كما أن عبارة (صالح) التي وضعت في أدنى مراتب التعديل تضاهي عند النسائي عبارة: (صدوق) . والله أعلم.

(1) كذا في سؤالات السلمي للدار قطني 172 ب نقلًا عن النسائي: وقد استبدل الذهبي في ميزان الاعتدال 1/ 460 ابن جريج بالثوري عند ذكره لقول النسائي هذا.

(2) لقد اشتهر بين أهل العلم أن النسائي ينسب إلى التشدد، لكن الشيخ عبد الرحمن المعلمي أغرب في كتابه التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل 1/ 66 - 67 حين ادعى أن النسائي متساهل في جانب توثيق المجاهيل من القدماء -وإن كان في مقام آخر من الكتاب نفسه 1/ 463 وصفه بالتشدد، ومثل بثلاثة رجال درست اثنين منهم، وهما: رافع بن اسحاق المدني، وسعد بن سمره بن جندب الفزازي. فالأول قال فيه أحمد بن صال وابن عبد البر وابن حجر: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. وأما الآخر فإن ابن حسان ذكره في كتاب الثقات. هذا إلى جانب توثيق النسائي المطلق لهما. ولم أجد في هذين الرجلين غمزًا من أحد، فهما إذًا جديران بذاك التوثيق. وينظر 891.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت