الصفحة 58 من 71

أما في الحالة اليهودية فالأمر يختلف جدا، حيث لا وجود في الأصل لكيان باقٍ أو وطن ثابت. وذلك أن الكيان نفسه إنما تركب عضويا من آحاد المهاجرين الذين تجمّعوا في بيئة غريبة يجهلون عنها كل شيء تقريبا بدوافع عاطفية، وهذا التجمع لا هوية له، فحتى الآن لم يتفقوا على تعريف"اليهودي". بل إن عددا غير معلوم من فقراء الهند والحبشة وروسيا دسوا أنفسهم بين اليهود المهاجرين رغبة في حياة أفضل.

وكذلك لا دستور له فإسرائيل ليس لها دستور ولا حدود رسمية حتى الآن!! وهؤلاء الغرباء المهاجرون لا يزالون يحملون ذكريات بلادهم الأصلية، ولغتها وملامحها، وبالتالي يستيقظ هاجس العودة إليها كل حين، لا سيما حين الإحباط والذعر -كما في حالة ما بعد الانتفاضة- كما إن جنسيتهم تؤهلهم للعيش في بلاد كثيرة غنية وآمنة. وهكذا يؤدي تناقص عددهم بالهجرة خاصة [وبعوامل أخرى كالتكاثر السكاني لخصمهم] إلى أن يتقطّع الكيان في النهاية ويتناثر مثلما تتناثر الأشلاء في عملية تفجير قوية، وفي هذا إعادة للشتات الأول، الذي قال الله تعالى عنه {و َقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَما} بل هو في هذه المرة أولى، فالعمر الزمني للمعركة لا يزال قصيرا جدا، ووسائل العودة متوفرة بما لم يكن يخطر على بال أحد من البشر قديما، وعوامل التآكل الذاتي قائمة فكيف والهدم يزداد والضربات تتوالى؟

ومن هنا يظهر أثر"الردة"كما تقدم

والتأكيد على هذا مهم لأن بعض الناعقين من العرب ومنهم منتمون إلى السلطة يفصلون في أحاديثهم وتحليلاتهم بين الأمن القومي والأمن الشخصي، والفكرة أصلا منقولة من التحليلات الأمريكية عن ضعف أثر الإرهاب على الأمن القومي الأمريكي ونحن نقول هبوا أن الأمر كذلك لكن القياس خطأ فأمريكا كيان كبير قائم لا يتأثر بتأثر آحاد قليلة منه أما في إسرائيل فالفرد الواحد له أهميته والأسرة الواحدة في المستوطنات لها أهمية استراتيجية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت