فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 103

لم أفهم يوم من الأيام كلمات ديجول عام 1958 عقب الأزمة المعروفة في فرنسا والتى قادته إلى الحكم، وإلا وأنا أشاهد ما يحدث في مصر اليوم، ولم أفهم معنى ما يقوله كيسنجر عن قيادات أمة إلا عندما أفكر في السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، ولم أدرك لماذا عندما نجتمع في الأكاديمية الدبلوماسية في باريس لا نستمع إلا هجومًا واحتقارًا للسياسة الأمريكية إلا وأنا بسبيل تقييم تلك السياسة في مصر على ضوء خبرة الأعوام الخمسة الماضية، ولماذا هذا التساؤل وهذا الاستفهام: أين نجحت السياسة الأمريكية؟ هى تحارب متراجعة في أوروبا الغربية، وهى تفقد مواقعها في أمريكا اللاتينية وهى متهالكة في إفريقيا السوداء، وهى تتلقى الصفعات الواحدة تلو الأخرى في جنوب شرق آسيا، وهى سوف تتعلم دروسًا قاسية في بداية القرن القادم من طوكيو وبكين، وهى إذا كانت قد نجحت حتى الآن في بعض أجزاء منطقة الشرق الأوسط، فليس ذلك سوى نتيجة لضعف الإرادة الذاتية في المنطقة من جانب، ولوجود أداة أخرى لا مثيل لها في أى منطقة أخرى وهى إسرائيل، رغم ذلك فهل هذا النجاح مطلق؟

إن المأساة الحقيقية التى وضعت فيها السياسة الأمريكية خلال الأعوام العشرة الأخيرة، إنها تريد أن تحقق سياسات متعددة، كل منها تملك منطقها وخصائصها وإطارها الحركى وهى من ثم تتناسى أن أيا من هذه السياسات تتعارض بل وتتناقض مع السياسات الأخرى، ومن ثم المأساة التى لا بد أن تفرض نفسها في لحظة معينة، والواقع أن واشنطن لم تع بعد اللطمة التى صفعتها إيران، وهى على ما يبدو تسعى جاهدة لتقبل لطمات أخرى: تركيا آتية لاريب فيه، ومصر قد تكون بطيئة في تحركها متأنية في قرارها الجماعى، ولكنها عندما تهب فهى كالبحر الهائج إذا بأمواجة ترتفع لتناطح قمم الجبال، فهم هذه الحقيقة هو المنطلق الأساسى لفهم سياسة جمع المعلومات، والتخبط الذى تقع فيه الإدارة الأمريكية بهذا الخصوص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت