فهرس الكتاب
ثم تأتى السياسة الثالثة والتى قد تبدو لأول وهلة متجانسة مع كلا السياستين الأولى والثانية، فتحزيم مصر وتفريغ المنطقة من قيادتها التاريخية، يحقق أهداف السياسة الإسرائيلية، ومن ثم سياسة الأمن القومى الأمريكى من جانب، وهو يمكن السياسة الأمريكية من جانب آخر من تدعيم الإجماع الاستراتيجى، حيث لا تستطيع مصر أن تقف عقبة ضد تحويل المنطقة إلى حزام أمن للمصالح الأمريكية، ليس من صالح سياسة المساندة أن توجد مصر القوية القادرة على أن تكتل خلفها دول المنطقة، هنا تبدو بصورة واضحة عدم قدرة السياسة الأمريكية على التعلم من أخطائها، فهى إذا كانت قد نجحت نجاحًا نسبيًا في أوروبا الغربية، في خلق إطار من التعاون العسكرى، فلأن هذا كانت لحماية القناعة الشعبية، والإرادة القومية والرفاهية الاقتصادية، في ظل نظام سياسى مُكَّن من تحقيق ذلك، ولو بدرجات متفاوته، ترى لو أن ألمانيا الغربية كانت تعيش اليوم في الفقر أو تعانى أزمات بولندة، أكان من الممكن الحديث عن معسكر غربى؟ واشنطن إذا كانت قد فشلت في فيتنام فلأن المجتمع السياسى لم يشارك، ويؤمن بالمصير المشترك مع الدبلوماسية الأمريكية، فهل تريد الولايات المتحدة أن تكرر في المنطقة العربية مأساتها في فيتنام؟ أو هى تعتقد أن شعب فيتنام أكثر قدرة على التحدى من الشعب المصرى؟ وهل هى تجمع المعلومات لتطمئن نفسها على صحة هذا الافتراض؟ مرة أخرى نلحظ بمنطق العالم المحايد، الذى يبحث عن الحقيقة المجردة دون أى اعتبار آخر كم هى القيادة الأمريكية على قسط من السذاجة والسطحية ؟ ترى هل اطلع حكماء البنتاجون على مؤلف وصفه أحد من ارتبط بالسياسة الخارجية الأمريكية في لحظة معينة، العالم الأشهر"لينجيل"الأستاذ بجامعة نيويورك، والذى طبع بواشنطن عام 1957 وعقب أزمة السويس المعروفة، وموقف"أيزنهاور"الذى أثبت وعيًا نادرًا في تاريخ الولايات المتحدة بعنوان:"دور مصر في المشاكل العالمية"