بسم الله الرحمن الرحيم
قصص جديدة للتائبات
محمد بن عبد العزيز المسند
شبكة نور الإسلام
المقدمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد، فقد سبق وأن أشار عليَّ كثير من الإخوة بتخصيص جزء خاص للأخوات التائبات ينفردن به عن الذكور، ولكن لم ينشرح صدري لذلك لأسباب عدة؛ حتى اجتمع لدي عدد لا بأس به من القصص مما يتعذر نشره في كتيب واحد، فرأيت أن أعمل بتلك المشورة.
هذا وأسأل الله المثوبة والسداد ..
والله الموفق
محمد المسند
توبة الممثلة شهيرة
لا تزال قوافل التائبين والتائبات ماضية؛ لا يضرها نكوص الناكصين، ولا نبح النابحين، ولسان حالها يقول:
إذا الكلب لا يؤذيك إلا بنبحه ... فدعه إلى يوم القيامة ينبحُ
وإنّ من أواخر من التحق بركب الإيمان، الممثلة شهيرة أو عائشة حمدي كما هو اسمها الحقيقي .. أترككن معها لتروي لكنَّ رحلتها من الظلمات إلى النور .. تقول:
(الحمد لله) .. هي الكلمة الوحيدة التي لا أجد أحلى منها الآن لأرددها على لساني .. فقد تردّدتْ حولي منذ فترة طويلة كثير من الشائعات حول نيتي الاعتزال والاحتجاب، إلا أن حقيقة ما حدث أنه منذ عام ونصف شاهدت رؤيا في المنام كان معناها أن الله يطلب مني أن أفتح كتابًا وأقرأه، فبدأت أتردد على مجالس الذكر في المساجد، وأقرأ الكتب الدينية بشغف شديد، وخلال هذا كله كانت تراودني فكرة (الححاب) ولكن كانت تنقصني الشجاعة اللازمة لاتخاذ هذه الخطوة.
وعند ما جاءتني الفرصة تمسكت بها، وكان ذلك في يوم الجمعة، وكان من عادتي أن أبكي بشدة في صلاة الجمعة، ولا أدري لذلك سببًا معينًا .. إنها مجرد عادة، وأنا أبكي في صلواتي كثيرًا، لكن صلاة الجمعة بالتحديد تثير في نفسي الشجن.
وفي ظهر يوم من أيام الجمعة؛ وجدت نفسي أردد بعد صلاتي الكثير من الأدعية، ووجدت لساني يلهج بحمد الله عز وجل، ويردد رغمًا عني وبشكل متدفق: (( اللهم وفقني لما فيه الخير لي ) )..
ظللت أكرر هذا الدعاء عشرات المرات، وعَصَفَتْ بي موجة من البكاء، ورحت في عالم رحب كله حب الله، وأمسكت بالمصحف، وفتحته، فإذا بعيني تقع على الآية الكريمة: (( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ) (الأعراف: 158) .
فشعرت بقشعريرة زلزلت كياني، وأكملتُ قراءة السورة الكريمة حتى نهايتها، ومع آخر كلمة من السورة كنت قد اتخذت قراري بارتداء الحجاب واعتزال التمثيل، وأذكر أنني ليلتها لم أنم، وانتابتني حالة من التيقظ غير العادي، وغفوت لمدة ساعة ثم صحوت بعدها على صلاة الفجر، والغريب أنني منذ التزامي أصحو على صلاة الفجر، ومن قبلُ كنت أنام إلى منتصف النهار ...
والآن .. أنا سعيدة للغاية حيث أكرمني الله عز وجل، وهداني إلى نور الحق .. والحمد لله أني اتخذت هذا القرار في الوقت المناسب.
وحول سؤالها عن سبب اعتزالها (الفن) قالت:
اعتزلت التمثيل لرغبتي في البعد عن الأضواء والشهرة، وأن التقي بالله سبحانه وتعالى بدون دنيا زائفة .. كما أن الرائج الآن في سوق الفن هو اللعب على غرائز المتفرج .. العنف .. الأعمال البلهاء .. الكوميديا الرخيصة .. وللأسف هذا هو الذي يحظى بالرواج!!!
وحول ما يشيعه البعض من تلقي التائبات أموالًا من جهات مجهولة (!!!) مقابل التوبة ... ترد عائشة (شهيرة سابقًا ) ) فتقول:
حسبي الله ونعم الوكيل .. هذا غير صحيح .. دافعنا إلى الاعتزال كان أسمى من كل القيم المادية .. لقد اخترنا الطريق الذي نشعر فيه بالرضا عن النفس ..
وحول جهودها في مجال الدعوة تقول.
حقيقة ما زلت في بداية الطريق، وأحتاج إلى الكثير جدًا من العلم والمعرفة بأمور ديني، ولكن ما أتذوقه الآن من حلاوة، وما أشعر به من الرضا والسعادة أحاول جاهدة أن أنقله إلى جميع من حولي، فبرغم ثقافتي الدينية البسيطة، إلا أنني بتلقائية شديدة أتكلم معهن عن بديهيات الأمور، وأولويات الإيمان، وأنقل إليهن أولًا بأول ما أقرأه وأتعلمه، وأحاول إقناعهن بما اقتنعت به من أن الحجاب فرض وأمر إلهي كالصلاة والصوم والزكاة .. لا يحتاج إلى مناقشة أو تردد.
والحمد لله أن حباني موهبة الإقناع، ولا أجد من الكلمات ما أصف به مشاعري بالحسنة التي يرزقني الله إياها عند ما تأتي مجالس العلم بثمرة طيبة بحجاب إحدى الأخوات، وأتمنى من الله وأدعوه أن يجعل مني قدوة صالحة في مجال الدعوة إليه، كما كنت من قبل قدوة لكثيرات في مجال الفن ( [1] )
توبة الداعية سوزي مظهر على يد امرأة فرنسية
سوزي مظهر لها أكثر من عشرين عامًا في مجال الدعوة إلى الله، ارتبط اسمها بالفنانات التائبات وكان لها دور دعوي بينهن .. روت قصة توبتها فقالت:
تخرجت من مدارس (الماردي دييه) ثم في قسم الصحافة بكلية الآداب، عشت مع جدتي والدة الفنان أحمد مظهر فهو عمي ... كنت أجوب طرقت حي الزمالك، وأرتاد النوادي وكأنني أستعرض جمالي أمام العيون الحيوانية بلا حرمة تحت مسميات التحرر والتمدن.
وكانت جدتي العجوز لا تقوى عليّ، بل حتى أبي وأمي، فأولاد الذوات هكذا يعيشون؛ كالأنعام، بل أضل سبيلًا، إلا من رحم الله عز وجل.
حقيقة كنت في غيبوبة عن الإسلام سوى حروف كلماته، لكنني رغم المال والجاه كنت أخاف من شيء ما .. أخاف من مصادر الغاز والكهرباء، وأظن أن الله سيحرقني جزاء ما أنا فيه من معصية، وكنت أقول في نفسي إذا كانت جدتي مريضة وهي تصلي، فكيف أنجو من عذاب الله غدًا، فأهرب بسرعة من تأنيب ضميري بالاستغراق في النوم أو الذهاب إلى النادي.
وعند ما تزوجت؛ ذهبت مع زوجي إلى فرنسا لقضاء ما يسمى بشهر العسل، وكان مما لفت نظري هناك؛ أنني عند ما ذهبت للفاتيكان في روما وأردت دخول المتحف البابوي أجبروني على ارتداء البالطو أو الجلد الأسود على الباب .. هكذا يحترمون ديانتهم المحرفة .. وهنا تساءلت بصوت خافت .. فما بالنا نحن لا نحترم ديننا؟؟!
وفي أوج سعادتي الدنيوية المزيفة قلت لزوجي أريد أن أصلي شكرًا لله على نعمته، فأجابني: افعلي ما تريدين، فهذه حرية شخصية (!!!) .
وأحضرت معي ذات مرة ملابس طويلة وغطاء للرأس ودخلت المسجد الكبير بباريس فأديت الصلاة، وعلى باب المسجد أزحت غطاء الرأس، وخلعت الملابس الطويلة، وهممت أن أضعها في الحقيبة، وهنا كانت المفاجأة .. اقتربت مني فتاة فرنسية ذات عيون زرقاء لن أنساها طول عمري، ترتدي الحجاب .. أمسكت يدي برفق وربتت على كتفي، وقالت بصوت منخفض: لماذا تخلعين الحجاب؟! ألا تعلمين أنه أمر الله!! .. كنت أستمع لها في ذهول، والتمستْ مني أن أدخل معها المسجد بضع دقائق، حاولت أن أفلت منها لكنَّ أدبها الجم، وحوارها اللطيف أجبراني على الدخول.
سألتني: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ .. أتفهمين معناها؟؟ .. إنها ليست كلمات تقال باللسان، بل لا بد من التصديق والعمل بها ..
لقد علمتني هذه الفتاة أقسى درس في الحياة .. اهتز قلبي، وخضعت مشاعري لكلماتها ثم صافحتني قائلة: انصري يا أختي هذا الدين.
خرجت من المسجد وأنا غارقة في التفكير لا أحس بمن حولي، ثم صادف في هذا اليوم أن صحبني زوجي في سهرة إلى (كباريه .. ) ، وهو مكان إباحي يتراقص فيه الرجال والنساء شبه عرايا، ويفعلون كالحيوانات، بل إن الحيوانات لتترفع من أن تفعل مثلهم، ويخلعون ملابسهم قطعة قطعة على أنغام الموسيقى .. كرهتهم، وكرهت نفسي الغارقة في الضلال .. لم أنظر إليهم، ولم أحس بمن حولي، وطلبت من زوجي أن نخرج حتى أستطيع أن أتنفس .. ثم عدت فورًا إلى القاهرة، وبدأتُ أولى خطواتي للتعرف على الإسلام.
وعلى الرغم مما كنت فيه من زخرف الحياة الدنيا إلا أنني لم أعرف الطمأنينة والسكينة، ولكني أقترب إليها كلما صليت وقرأت القرآن.
واعتزلت الحياة الجاهلية من حولي، وعكفت على قراءة القرآن ليلًا ونهارًا .. وأحضرت كتب ابن كثير وسيد قطب وغيرهما .. كنت أنفق الساعات الطويلة في حجرتي للقراءة بشوق وشغف .. قرأت كثيرًا، وهجرت حياة النوادي وسهرات الضلال .. وبدأت أتعرف على أخوات مسلمات ...
ورفض زوجي في بداية الأمر بشدة حجابي واعتزالي لحياتهم الجاهلية، لم أعد اختلط بالرجال من الأقارب وغيرهم، ولم أعد أصافح الذكور، وكان امتحانًا من الله، لكن أولى خطوات الإيمان هي الاستسلام لله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليَّ مما سواهما، وحدثت مشاكل كادت تفرق بيني وبين زوجي، ولكن، الحمد لله فرض الإسلام وجوده على بيتنا الصغير، وهدى الله زوجي إلى الإسلام، وأصبح الآن خيرًا مني، داعية مخلصًا لدينه، أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحدًا.
وبرغم المرض والحوادث الدنيوية، والابتلاءات التي تعرضنا لها فنحن سعداء ما دامت مصيبتها في دنيانا وليست في ديننا) ( [2] ) .
توبة الممثلة أميرة
الممثلة أميرة هي أيضًا ممن التحق بركب التائبين، تقول:
طول عمري وأنا قريبة من الله، أحب الصلاة، وأداوم عليها. . وأختلي بنفسي - حتى خلال مرحلة اشتغالي بالفن - ..
وبعد الزواج؛ أديت فريضة الحج، ولكني لم أرتد الحجاب بعدها مباشرة، ثم أديت العمرة مرات عديدة، وبعد العمرة الخامسة تحجبت لتسعة أشهر، ولكني تعرضت لضغوط رهيبة - لا داعي لذكرها الآن- كانت سببًا في تركي للحجاب ..
لم تتبدل حياتي، ولم أشعر بارتياح، بل بالعكس؛ كنت حزينة، وقررت في لحظة انفعال العودة إلى الحجاب للمرة الثانية، ولكن لم يكن مقدرًا ( [3] ) لهذه المرة أن تدوم طويلًا ...
وكانت المرة الثالثة التي ارتديت فيها الحجاب منذ نحو عام تقريبًا وهي الأخيرة الدائمة إن شاء الله .. إنهم يقولون (الثالثة ثابتة) ، وأنا عازمة بإذن الله أن تكون كذلك.
لقد كان الأمر في المرات الأولى مختلفًا؛ فلم يكن أحد بجانبي مثل الآن يشجعني ويؤازرني .. كنت وحدي في مجتمعات كلها سفور وعداء للحجاب.
وتؤكد أميرة: لم يحدث أبدًا في أي وقت أن ضغط عليّ أحد لأتحجب، حتى صديقتي العزيزة هناء ثروت - التي سبقتني إلى الحجاب - لم تطلب مني ذلك، فقد اكتفت عند ما كنت أزورها ذات يوم بأن دعتني للصلاة، ثم بعد الصلاة سألتني: لو كان لديك موعد مع إنسان عزيز تحبينه فماذا ترتدين له؟
-... قلت: أفضل ملابسي.
-... قالت: فما بالك بلقاء الله سبحانه وتعالى لحظة الصلاة .. ألا يستحق ذلك زيًا ملائمًا كما أمر الله.؟
وبعد فترة من هذه الواقعة وجدت نفسي أتجه لاتخاذ القرار الذي كنت أسعى إليه باختياري منذ البداية.
والحمد لله الذي أمد في عمري حتى أتخذ هذا القرار، ولم يقبض روحي وأنا متبرجة سافرة.
توبة الممثلة الإماراتية نورية سليمان
بعد عامين فقط من دخولها (الوسط الفني) هجرت المسرح والتمثيل، وعادت إلى الله عز وجل ..
نورية سليمان .. خريجة قسم الإعلام عام 1989م ..
وقد عملت في تلفزيون دبي عام (1990 - 1991) ...
تقول في بداية حديثها:
(أولًا، أود أن أقدم توضيحًا بين يدي هذا الحديث؛ وهو أن وجودي في الوسط الفني كان محدودًا، فأنا دخلته عام 91 لأمثل في مسرحية(حبة رمل) والتي تم عرضها في مهرجان القاهرة للمسرح مدة يومين، ثم بعد رجوعي من هناك ابتعدت عن الفرقة رافضة المشاركة في عرض المسرحية نفسها في الإمارات، ثم عدت للمسرح ثانية لأقدم مسرحية (جميلة) في العام الماضي والتي عُرضت عدة أسابيع في الإمارات ثم ابتعدت من جديد ورفضت السفر مع الفرقة لعرضها في مهرجان القاهرة للمسرح في العام نفسه، فالمسرح لم يكن كل حياتي في يوم من الأيام لكنه إحدى الهوايات التي أحببتها وطغت على غيرها من الاهتمامات والهوايات ردحًا من الزمن.
النقطة الثانية في هذا التوضيح أن اعتزال الوسط الفني - أو ما يسميه البعض بالعفن الفني - لا يعني بالضرورة الالتزام بالحجاب عندي، فقد كان بالإمكان أن أبتعد عن المسرح مع الاستمرار في حياتي الخاصة على النحو الذي كنت عليه في المرحلة الماضية قبل التزامي، لكن قراري الذي أحدث تغييرًا شاملًا في حياتي؛ كان اعتزال المسرح من ضمن جزئياته. إنه قرار كبير ولله الحمد شمل تفاصيل حياتي اليومية .. طريقة تفكيري .. مظهري .. معاملاتي ... هواياتي .. أصبحت أحاول جاهدة أن أجعل رضا الله المعيار الأول والأخير لتقييم كل الأشياء حولي .. فالقرار كان التغيير، وكل الأحداث الأخرى من الالتزام بالحجاب، والابتعاد عن المسرح وغير ذلك إنما ترتبت على هذا التغيير الذي وفقني الله إليه.
أما بالنسبة للأسباب الخاصة التي دفعتني لاعتزال الوسط الفني فهي عدم الرضا عن نفسي، ثم نمو الوعي الديني، والتوجيه المستمر والتشجيع من أقرب الناس إلىّ: زوجي الذي وفر لي كل الأجواء النفسية والحياتية ..
وأما ما يخص الوسط الفني فهو لما رأيته من ضياع القيم الأخلاقية مما كان له أثر سلبي عنيف على مفاهيمي وقناعاتي، هذا ما دفعني لرفض الاستمرار في هذا الوسط، وقد فرح أهلي وزوجي بشدة وشجعوني على الاستمرار في الخط الجديد لحياتي، كما كانت هناك بعض التبريكات من بعض زملاء المهنة، إلا أن الكثير منهم وصفني بالرجعية والتعجل في اتخاذ القرار (!!) ، والغباء بإضاعة فرص النجاح في المسرح (!!) ، خاصة وأن مسرحيتي الأخيرة كانت في أوج نجاحها عند ما تركت كل شيء وراء ظهري ( [4] ) .
توبة راقصة جزائرية
نَشَأتْ في أرض المليون شهيد ... ونتيجة لتربية خاطئة؛ انحرفتْ عن الصراط السوي، فتلقفتها امرأة يهودية لترسلها إلى باريس وتصنع منها راقصة (!! ) ) .
اسمها خديجة المداح، وعرفها رواد الفسق والضلال بـ (هدى!! الجزائرية) .
تقول خديجة: ولدت في منطقة الشلف، في أسرة متدينة، لكن أحد أفرادها - سامحه الله وغفر له - كان متشددًا لدرجة الغلو، فعند ما كنت طفلة كان يؤثر ضربي المبرح بدلًا من تعليمي أصول ديني الحنيف، وحدث أن طُلِّقتْ والدتي فتفكك شمل الأسرة، وهربتُ من البيت، ومن هنا كانت البداية.
انضممت إلى فرقة (محي الدين!!) ثم إلى العمل في بيت امرأة يهودية، فما كان منها إلا أن أوفدتني للعمل في باريس كمُهرِّجة مع يهودي وأخر فرنسي، كان دوري يتلخص في ارتداء الزي الجزائري والسخرية منه ليضحك الجمهور ..
وفي باريس تعرفت على ليلى الجزائرية التي كانت تعمل مع فريد الأطرش، فرشحتني للعمل كراقصة، وكنت في كل يوم أقترب كثيرًا من حياة الضلال. لم أفق مما أنا فيه فجأة .. كلا؛ بل منذ اليوم الأول وأنا أشعر بالندم والحسرة على السير في هذا الطريق، وتأنيب الضمير بما تبقّى لديّ من فطرة.
ثم جاءت اللحظة الحاسمة، وجريت إلى سكنى، واكتشفت أني ما زلت حية، وأن ضميري ما زال حيا، وأنه لا ييأس من رَوح الله إلا القوم الكافرون .. قرأت كثيرًا، وبكيت كثيرًا، وما زلت أبكي على ما مضى من عمري، لكنني أرجو رحمة ربي، وأدعوه جل شأنه أن يتقبل توبتي ( [5] ) .
توبة محامية شهيرة
كانت محامية شهيرة .. وفجأة اعتزلت المحاماة وارتدت الحجاب، وتحولت إلى داعية تتردد على المساجد لإلقاء دروس الوعظ والإرشاد على بنات جنسها.
كشفت سر هذا التحول فقالت:
في أثناء تأديتي للعمرة وجدت نفسي أبكي، وكلما بكيت أحسست بنقاء وشفافية، وفي لحظات قررت اعتزال مهنتي. .وبعد أن حاكمت نفسي؛ وجدت كل ذرة في كياني تؤيد ذلك القرار، وحين عدت إلى بيتي تخلصت من جميع الملابس التي لا تتفق مع الزي الإسلامي وارتديت الحجاب، ورفضت مقابلة العملاء الذين كانوا يأتونني من قبل بصفتي محامية ( [6] ) .
أما أفراد أسرتي فقد اقتنعوا جميعًا بهذا القرار إلا خطيبي الذي هددني بالطلاق قبل الدخول وكان قراري أسبق من قراره؛ إذ أعلنت له رغبتي في عدم إتمام هذا الزواج إذا تعارض مع ما قررته لأكون امرأة مسلمة حقًا، وكانت قسيمة الطلاق آخر شيء يربطني بعالَم لا أريده ( [7] ) .
توبة فتاة مصرية ( [8] )
تقول هذه الفتاة:
تجولت مع أسرتي في أكثر من دولة عربية كانت بلاد الحرمين هي آخرها .. والدي خريج أزهري متدين ومدرس للدراسات الإسلامية، أما والدتي فثقافتها الإسلامية قليلة جدًا، لذا فهي دائمة الخلاف معي حول مسائل دينية في الحياة .. أثناء سفراتي المتعددة لاحظت أن بعض نساء الريف يلبس ملابس طويلة ساترة، ولا يظهرن أما الرجال الأجانب (غير المحارم) ، ولكني اعتقدت أنهن يلبس هذا اللباس اتباعًا لعادات وتقاليد تمسكن بها، ولم أعرف أنها إسلامية، لم أعرف في حياتي شيئًا اسمه الحجاب رغم سفري المتعدد، رغم أن والدتي تلبس ملابس طويلة، وتغطي شعرها بـ (إيشارب) ، ولما استقرينا في مصر لأول مرة، وانتقلت إلى المرحلة الثانوية، جلست بجواري فتاة محجبة .. سألتني من أول يوم: لماذا أنت لستِ محجبة يا .. ؟! ولكني لم أرد عليها، وإنما اكتفيت بالنظر إليها باستغراب، ثم تركتها وانصرفت، لكنها لم تتركني فأخذت تعلمني طوال العام تعاليم الدين، وأشياء لم أتصور في يوم من الأيام أنها محرمة، فالحجاب - مثلًا - لم أكن أعلم أنه فرض على كل مسلمة حتى أخبرتني بذلك، ومما ساعدني على تقبّل نصائحها أنني كنت أحبها لأدبها وحيائها، واجتهادها في الدراسة.
وانتهى العام الدراسي، وأحسست بالوحشة لابتعادي عنها، وابتعدت رويدًا رويدًا عن الاهتمام بالحجاب، وكنت أنظر إلى الفتيات المحجبات وأتمنى أن أكون مثلهن وأن أغطي وجهي، كما كنت - في الوقت نفسه - أنظر إلى الفتيات السافرات فأطمح أن أكون مثلهن في اهتمامهن بأنفسهن وحركتهن .. أصبحت هكذا في دوامة إلى أن سافرنا مع والدي إلى السعودية وهي البلد الوحيد حسب علمي الذي ليس فيه مدارس مختلطة في جميع المراحل الدراسية. .
كنت آنذاك قد نجحت إلى الصف الثالث، فالتحقت بإحدى المدارس الثانوية للبنات فرأيت الفتيات وجمالهن في المدرسة ومدى الحرية التي يتمتعن بها حيث يتعلمن ويسرحن ويمرحن دون أن ينظر إليهن رجل ثم يخرجن من المدرسة وهن يرتدين الحجاب ويغطين وجوههن، .. تأثرت كثيرًا بهذا المنظر الرائع، وعند ما خرجت من المدرسة وأنا أغطي وجهي كنت في غاية السعادة وكأنني ملكة قد لبست أفخر الثياب.
وفي العطلة الصيفية كنا نخرج أنا وأسرتي إلى السوق لشراء بعض الحاجات، فيبهرني ما فيه من الحياة الناعمة، والسيارات الفاخرة، و (الاكسسوارات) والذهب والملابس، وسائر المتع والملذات الدنيوية، الزائفة، فقد كان لها في عيني بريق خاص، فقلت لنفسي، لا بد أن أحقق أمنياتي؛ وهي أن أكون (فنانة) ؛ ممثلة .. أو مغنية .. أو ملحنة .. أو مضيفة في طائرة ... هذا ما كانت تحدثني به نفسي الأمارة بالسوء، وحينما أعود إلى البيت أتخيل نفسي وقد أصبحت ثرية، وتأخذني الأماني الكاذبة، والدنيا بزخرفها الزائل ..
وبعد انتهاء الإجازة الصيفية، عدنا إلى المدرسة، وكنت قد أعدت السنة بسبب بعض الظروف المتعلقة بانتقالنا من مصر، وفي المدرسة بدأت أكوّن صداقات كثيرة مختلفة، وأثناء الفسحة المدرسية أجلس في مصلى المدرسة لأستمع إلى الدروس والندوات التي تُلقى، فأخرج منها في كثير من الأحيان وأنا باكية وفي داخلي عزم أكيد على أن أكون صالحة مستقيمة، وميزتي أنني لا أكره النصيحة، بل هي شيء محبب إلى نفسي وخاصة إذا صدرت من أهل الدين والصلاح أو كبار السن المتدينين، فتظل عالقة في ذهني أتذكرها دائمًا، وأعمل بها بكل صدق وأمانة قدر طاقتي ووسعي ..
هذه الحياة المدرسية القصيرة التي لم تتجاوز الأشهر جعلتنني أفكر كثيرًا، وأعرف الكثير عن ديني .. حلاله وحرامه .. كنت - مثلًا - أعتقد وأنا في مصر أن غطاء الوجه فضيلة وليس بواجب ن ولكن عند ما قدمت إلى هذه البلاد، وبسماعي للأشرطة وقراءتي للكتب؛ عرفت أنه واجب، وعند ما دخلت هذه الكفرة في رأسي، واقتنعت بها؛ فكرت أن ألبس الحجاب المصري (وهو خمار فوق الرأس إلى منتصف الجسد ثم تحته فستان واسع) ولكني سمعت شيخًا يقول إن الحجاب لا بد أن يكون من أول الرأس إلى أسفل القدمين قطعة واحدة فيغطي جميع البدن ( [9] ) ، عندها صممت أن ألبس العباءة .. لا لأكون سعودية، بل لأكون مسلمة حقيقة أتّبع ما يريده الله عز وجل ..
ولكني بعد هذا التغُّير الذي طرأ على حياتي؛ سألت نفسي مرة: كيف أغطي وجهي وألبس العباءة وأنا أريد أن أكون فنانة ومضيفة .. ؟! فقلت لنفسي: إني أحب التدين، وإذا تزوجت أحب أن يكون زوجي صالحًا، وأن يكون أولادي كذلك مثل أولاد المسلمين الأوائل. فإذا أصحبت فنانة، فلا بد أن ينحرف أولادي، وكذلك زوجي .. لا، بل سيتعدى ذلك إلى إخواني البنين الذين هم في سن المراهقة، وسيندمجون مع أولاد الطبقات الفاسدة التي لا تعرف إلا طريق الفساد والانحراف .. وأختي، أكيد أنها ستنزع الحجاب، وأمي، وأبي.
وإذا أصبحت مضيفة فمن يضمن لي ألا أحترق في الطائرة فأكون قد خسرت الدنيا والآخرة .. تساؤلات كثيرة ومثيرة كادت تحطم رأسي فأحس به يكاد ينفجر .. لقد تواردت عليَّ تلك التساؤلات دفعة واحدة، فسيطرت على كياني وكأنها شبح يخنقني، ولا يفارقني حتى وأنا أقوم ببعض أعمال البيت، فأترك ما في يدي، وأضرب رأسي بكفي، وأقول: كفى .. كفى .. لن أتخلى عن الفن مهما كانت العواقب ...
أحسست أن هناك صراعًا داخليًا في نفسي بين شخصيتين؛ الأولى: تقول لي: إياك أن تبتعدي عن الفن ... إنه حلم حياتك .. إنه المجد والشهرة والغنى والسعادة ... !
والثانية: تأمرني بأن أبتعد عن الفن، وتقول لي: إياك إياك .. فإنه الخسران المبين، وسوف تندمين. .
واحتدم الصراع في داخلي، حتى انتهيت إلى قرار يريحني ويرضاه عقلي، وقبل ذلك يرضاه ربي وخالقي ... فقد رفضت أن أكون فنانة ماجنة، أو دمية متحركة باسم الفن، أو خادمة باسم مضيفة، واستسلمت لله، وقلت: ما أحلى الحياة مع الله والعيش في كنفه، وسحقًا لهذه الدنيا الزائلة، وملذاتها وبريقها الخادع:
(( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ) (النحل: 97) .