الصفحة 118 من 203

يخلعون يده، ثم انطلقوا به، وذهب زوجى إلى المدينة وحده، ففرقوا بينى وبين ابنى وزوجى.. فكنت أخرج كل غداة فأجلس في الأبطح فما أزال أبكى حتى أمسى، ومكثت على ذلك نحو عام، حتى مربى رجل من بنى عمومتى فرأى ما بى ورق قلبه لى ، فقال لأهلى: ألا تتركون هذه المسكينة تلحق بزوجها؟ فقالوا لى: إلحقى بزوجك إن شئت، فاسترددت ابنى وارتحلت بعيرى وخرجت أريد المدينة وما معى أحد من خلق الله. حتى إذا كنت بالتنعيم ـ قريبا من مكة ـ لقيت عثمان بن طلحة ، فسألنى إلى أين؟ قلت أريد زوجى بالمدينة! قال: وما معك أحد؟ قلت: ما معى إلا الله وابنى هذا. فأخذ بزمام البعير وهو يقول: والله مالك من مترك، وانطلق مسرعا بى.. فوالله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا نزل محطة أناخ بى ثم تأخر عنى حتى أنزل، ثم قيد بعيرى إلى شجرة ثم ذهب بعيدا إلى شجرة أخرى فاضطجع تحتها.. حتى إذا دنا الرواح قام إلى بعيرى فأعده، ثم استأخر عنى حتى أركب، فإذا استويت عليه أخذ بالزمام يقودنا، ومازلنا كذلك حتى أقدمنى المدينة، فلما نظر إلى قرية بنى عمرو بن عوف قال: هنا يقيم أبو سلمة، فادخلى على بركة الله، ثم انصرف قافلا إلى مكة بعدما أدى واجبه الشريف الرائع. واجتمع الشمل مرة أخرى في دار الهجرة بعد شتات وأحزان، لكن أبا سلمة واصل كفاحه في نصرة الإسلام، وشاء الله أن يكون من شهداء أحد، وأن تبقى أم سلمة وحيدة مستوحشة حتى قدر الرسول جهادها ومصابها فبنى بها وأعز جانبها. إن صرح الإسلام قام على تضحيات ثقال، قامت بها أسر شجاعة، تواصى رجالها ونساؤها بالحق وبالصبر. ص _131

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت