والنبي صلى الله عليه وسلم خط خطًا وخط بجانب هذا الخط المستقيم خطوطًا متعرجة فقال: [هذا صراط الله مستقيمًا، وهذه السبل على كل سبيل شيطان يدعو إليه ثم تلا قوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ] .
ما معنى الصراط؟ الصراط منهج عملي كامل، بمعنى أنك في الأربع والعشرين ساعة تعمل، تعمل أشياء كثيرة، قيامك من النوم وطهورك وصلاتك وخروجك من منزلك وسعيك لمعاشك، وتربيتك أولادك، ومعاشرتك لجيرانك، وزوجتك، والناس وتعاملك، وكلامك، وأخذك، وبيعك، وعطاؤك، وما تقابله من نعيم في هذا اليوم وما تقابله من محن ومشكلات، المنهج العملي الكامل هو مجموعة التصرفات كلها، لا يوجد تصرف من تصرفات الإنسان ليس لله فيه حكم {ما فرطنا في الكتاب من شيء} {ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء} .
فما من تصرف للإنسان على هذه الأرض إلا ولله فيه حكم، فيقول لك هذا مباح فاعمله، وهذا واجب لا بد أن تؤديه، أو هذا حرام إياك أن تفعله، أو هذا مندوب إن شئت فعلته فلك أجره، أو هذا مكروه الأولى لك أن تتركه، فأعمال المكلفين تقع ضمن أحكام تكليفية، ما ينفك المكلف عن حكم الله، هذا معنى الصراط، الصراط هو المنهج العملي فالدين صبغة كاملة: كيف تتصرف تجاه الله سبحانه وتعالى، تجاه النبي، تجاه المؤمنين، تجاه الكفار، تجاه الزوجة، تجاه الأولاد، تجاه الناس، لا يوجد تصرف من هذه التصرفات إلا وفيه حكم، وبالتالي لابد أن يكون لنا تصرف واحد، فإذا قال المؤذن: حي على الصلاة: فنتوجه جميعًا إلى الصلاة، وإذا رأينا المنكر تشمئز منه قلوبنا، كلنا نشمئز من هذا المنظر، ونحاول إنكاره بما استطعنا، إذا حلت بنا مصيبة وقفنا منها موقفًا واحدًا: الصبر والتسليم لأمر الله والتصرف بما أمر الله سبحانه وتعالى، هذا إذا كان تصرفنا واحدًا.
ولكن إذا كنا مختلفين في العقيدة تصرفنا تصرفًا مختلفًا، فإذا قال المؤذن: حي على الصلاة: فواحد يكره هذا ويولي ظهره وآخر يلبي النداء، إذا رأينا منكرًا، أحدنا يستحسن هذا، وآخر يستنكره، وإذا رأينا امرأة عارية في الطريق فواحد يستحسن هذا، ويشجع هذه ويأمر به، وآخر يلعنها ويسبها، ويقول لها: لعنك الله، لقد خالفت أمر الله وأمر الرسول وتستحقين اللعن، وهكذا يكون تصرف أمام المنكر مختلفًا، فلا بد من توحيد الصراط في العمل، وكذلك في المنهج التشريعي: صلاتنا واحدة، وصيامنا واحد، فقهنا واحد، ما أمكن بالطبع، توحيد الصراط، وهذا بلا شك لا يعني التطابق التام في كل صغيرة وكبيرة، لأن في قضايا الإسلام كما ذكرنا صبغة عامة، ولا يمكن أن يتطابق المسلمون حول كل تصرف من التصرفات، وبالتالي لا بد أن يكون هناك اختلاف في بعض القضايا الاجتهادية، لكن الله تبارك وتعالى أرشدنا فقال سبحانه: وما