اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله وقال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا} .
سيبقى عندنا إذا اختلفنا مركز اللقاء في كلام الله وكلام رسوله، يكون هذا هو المرجع، لا عقلي ولا عقلك ولا عرفي ولا عرفك، ولا أخلاق قبيلتي وأخلاق قبيلتك، إنما المرجع إذا اختلفنا هو كتاب الله وسنة نبيه محمد عليه السلام، كل أحد بعد النبي يؤخذ من قوله ويرد عليه، هذا هو المنهج كما قال الإمام مالك: ما منا إلا وقد رد -أي على غيره من العلماء- ورد عليه -أي من العلماء- إلا صاحب هذا القبر (يعني النبي صلى الله عليه وسلم) .
فالذي يرد على النبي كالذي يقول للرسول: أخطأت في هذا الاجتهاد، أو أنت لم تحكم بالعدل في هذا، أو هذا مخالف للمعقول، هذا يكون كافرًا بالله، لأن الرسول لا يشرع من عند نفسه، أما غير النبي فيمكن أن نرد عليه ونقول: أنت جاوزت الحد في هذا، كلامك في هذا مرجوح، وقولك في هذا مخالف للحق، لا مانع في هذا، ما دمنا نعتقد أن الحكم بيننا هو الرجوع إلى كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم. هذه قضية هامة.
المسلمون اليوم مختلفون في المنهج التشريعي: في مسائل العبادات ومسائل العمل ومسائل الحرام والحلال، لابد من محاولة جمع شمل الأمة الواحدة، لابد أن يكونوا متفقين في هذا، كان الصحابة يتشددون في هذا تشددًا عظيمًا جدًا، أذكر مثالًا على ذلك: عندما اختلف الصحابة: هل الغسل من الجنابة هو من الإنزال أو من التقاء الختانين، فقال بعضهم:"إنما الماء من الماء"وجاء عمر رضي الله عنه وحسم القضية وقال:"سلوا عائشة"فقالت:"إني سمعت رسول الله: يقول:"إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل".. فقال عمر: لا أسمع أحدًا أفتى بخلافه إلا جعلته نكالًا. (رواه الإمام البخاري) والمعنى أنكل به لو أفتى بخلاف ما توصلنا إليه أنه الحق: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} ."
فتوحيد الصراط مهم جدًا فالصحابة كانوا يختلفون في بعض الأمور ولكن في الأمر الجامع لا يختلفون: اختلفوا في قضية الإتمام في السفر، إتمام الصلاة الرباعية، فهذا عثمان رضي الله عنه كان يتم وهو في الحج فأفتوا بخلافه، ولكن عندما كان يقوم للصلاة، كانوا يصلون خلفه أربعًا، فقال بعضهم: كيف تفتون أن الصلاة اثنتان وتصلون أربعًا، فقالوا: سبحان الله أمير المؤمنين!!، والمعنى لابد من اجتماع الكلمة ولا يجوز الخلاف، بل لابد من الاجتماع، وهذا لا يكون إلا بتوحيد الصراط، لا يكون إلا بالتحاكم في كل خلاف صغير وكبير إلى كلام الله وكلام النبي صلى الله عليه وسلم. وأن كل إنسان يأخذ من قوله ويرد عليه وأنه لا عصمة إلا لكلام الله وكلام النبي.