فهرس الكتاب
على أصحابه المضطهدين أن يلجأوا إلى الحبشة. ورأى في جوار ملكها المسيحى عاصما من الفتنة وأمانا. وقد حاولت قريش أن توغر نصارى الحبشة على المسلمين الفارين بدينهم إليها. وتوسلت إلى ذلك بأن المسلمين لا يرون في عيسى وأمه معنى الألوهية الذى يلحظه الأحباش فيهما، ولكن النجاشى استمع إلى حديث القرآن عن مريم وميلاد عيسى، وخلب لبه فيض التمجيد والكرامة الذى يغمر به الإسلام قصة الميلاد. ثم أبى أن يقصى المسلمين عن جواره. وفى الوقت الذى كانت أفئدة المشركين تهوى فيه إلى مجوس فارس، كان المسلمون يعطفون على نصارى الروم ويتمنون لهم الخير، وقد حزنوا أشد الحزن لما هزم الفارسيون الجيوش المسيحية. بل كان حزنهم مثار شماتة من جانب العرب المشركين حتى طمأنهم النبى صلوات الله وسلامه إلى أن المجوسية ستنكسر، وأن المسيحية ستنتصر (الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون) وكما أمل المسلمون في مطالع تاريخهم أن يلقوا الخير عند النصارى تطلعوا إليه عند اليهود. فما كادوا يهاجرون إلى المدينة حتى سارعوا إلى عقد حلف معهم يقوم على تأمين الحقوق ودفع العدوان. بل إن عواطف المحبة وسلامة الصدر جعلت المسلمين يتوقعون من اليهود أن ينصروا دعوة التوحيد أو على الأقل يخلوا بينها وبين الوثنية فلا يتدخلون في الصراع الذى نشب بينهما على الحياة والموت... لا يتدخلون إلى جانب عبدة الأصنام. انتظر أهل القرآن أن يسمعوا من أهل التوراة شهادة حسنة تقر الحق في مجتمع طال عليه الأمد وهو لا يعرف ربه إلا أحجارا منحوتة (ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) . ص _122