فهرس الكتاب
إخلاص حرص الأنبياء جميعا- وهم يبلغون عن الله رسالاته- أن يؤكدوا للناس حقيقة معينة، وهى أنهم لا يطلبون لأنفسهم شيئا، ولا يلتمسون على عملهم أجرا، وأنهم- على العكس- يعطون ولا يأخذون، ويضحون ولا ينتفعون، وأنهم أصحاب مثل عالية، يقدمون أشخاصهم وأهليهم فدى لها، وليسوا طلاب جاه لأ نفسهم أو للأسر التى ينتمون إليها. وقد قص الله سبحانه وتعالى علينا سيرهم الجليلة كابرا بعد كابر، فسمعنا إلى نوح يقول للناس: (فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين) وتكررت هذه المقالة بألفاظها ومعانيها ودواعيها على ألسنة هود مع عاد، وصالح مع ثمود، ولوط مع قومه، وشعيب مع مدين، وموسى مع الفراعنة. وجرت كذلك مرارا على لسان النبى عليه الصلاة والسلام (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد) . والقصد القريب من ترديد هذا المعنى هو تحرير الدعوة إلى الله من أهواء الدنيا ودسائس الطمع، وتوصيل الحق إلى الناس منزها عن كل غرض صغير ومأرب حقير، ثم طمأنة الجماهير التى تستمع لصوت النبوة على ما بأيديهم من خيرات وأموال. فليست الدعوة إلى الله حرفة لاقتناصها، وليس دين الله وسيلة للاستيلاء عليها..! والذين ورثوا النبوة في الحكم أو في الوعظ جعلوا هذه الحقيقة نصب أعينهم، فلم يدر بخواطرهم أن الدين مصيدة للكسب العاجل أو ذريعة للسمنة والتبطل!! ص _096