جهة الواقع)؛ لم يقاتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا كافرًا، لم يعرف الصحابة إلا قتال الكفار، ولم يقاتل أهل الإسلام بعضهم بعضًا؛ فلا يعرف الناس كيف يقاتل أهل التأويل.
انظروا إلى علي -رضي الله عنه-، وكيف كان إمامًا في هذه القضية! ولذلك في الحديث، الذي حسنه بعض أهل العلم: (يا علي! إنك ستقاتلهم على تأويله، كما قاتلتهم على تنزيله) ؛ ولذلك علي قاتل الخوارج على تأويله، كما قاتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الكفار على تنزيله. هذا هو شأن العالم، حين تنزل الفتنة، وحين تعم الطامة؛ وهناك من يقول: أنا أرفع يدي، هذه فتنة، سأجلس في بيتي (في حِلس بيتي) ؛ وحينئذ يقوم الفساد العظيم.
حتى في تحديد معنى كلمة (فتنة) ما هي الفتنة؟ متى تكون الفتنة التي يجب على المرء أن يعتزلها؟ ومتى تكون الفتنة التي يجب على المرء أن يكون في وسطها وفي معمعتها؟ فإذا مات مات شهيدًا. حين تؤذى في بيتك، ويراد منك أن يستلب عرضك، فحينئذ تجلس في بيتك وتقول هذه فتنة؟! حين تأتي الباقعة وتعم الأخضر واليابس، ويقال كن حِلس بيتك. هذه حين يكون أهل الإسلام، كلٌ يرفع راية الإسلام على حقيقته، ولا تعرف من هو المحق ومن هو المبطل، أو يتقاتلون على أمر دُنيا؟
أما إن حين يكون الأمر بين أهل الحق وبين أهل البدعة، بين أهل إسلام وبين أهل كفر؛ حينئذ، إن من الفتنة أن تترك هذه المعامع للجهلة، ليقودوها على غير سبيلها. إذًا أيها الإخوة الأحبة! إنما هو مطلوبٌ أولًا: أن تحدد الأمة، أن يحدد علمائها تلك الألفاظ الجليلة في كتاب الله، ما هي (الجاهلية) ؟ ما هو (الطاغوت) ؟ ما هو (الإيمان) ؟ ما هي تلك الأحكام؟ وقد نبه علماؤنا كثيرًا على هذه القضية وشددوا عليها، ورأوْا أن الفساد هو مدخلٌ إليها.
انظروا إلى كلماتٍ قالها رجل؛ وهو سيد قطب -عليه رحمة الله-، انظروا لهذه الكلمات، التي قالها على سبيل رجلٍ يتذوق كتاب الله، بصفة رجل أديب؛ كيف تعامل الناس بها؟ فأفسدت وأفسدت في عقولهم، حين لم يتعاملوا معها بطريقةٍ صحيحة: (وبهذا إن كل من أراد خطاب الأمة، بغير الحكم الشرعي وبغير ألفاظه، فاعلم أنه يخرج من المواجهة) .
وشأنه هو شأن الرجل الفقيه الجاهل، الذي جلس بين الناس، فجاءه رجلٌ وقال: شيخنا! سقطت فأرة الليلة في بئري؛ هو يريد الحل. الفأرة سقطت في البئر وماتت؛ فما هو حكمها؟ الشيخ لا يدري، قال له: يا بني! لماذا لم تقفل البئر حتى لا تسقط؟ الفأرة سقطت!