الأمة جهلت بسببين:
أولهما: أن هذه الأمة قد ذهب عنها الكثير من فهمها للغة العرب، التي نزل القرآن بها، فإن هذا القرآن خاطب أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بتلك اللغة، التي يفقهونها ويعلمونها ويتحاورون بها: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قرآنا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ، وقوله -عز وجل-: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} ، وهذه الأمة دخل فيها اللحن، ودخلت فيها العُجمة، وفسدت لغتها؛ و من هنا يأتي إفساد بعض المشايخ في التعامل مع بعض العبارات، التي تسير في الناس ولا يعرفون مدلولها.
ولذلك يجب على طالب العلم، ويجب على كل مسلم، أن يتعامل مع كل فنٍ بلغة أهله، وإلا جرته إلى المصائب؛ فمثلًا كلمة (المكلف) ، فإن لها مدلولًا في لغة الفقه، كما أن لها مدلولًا آخر في كتب التوحيد؛ فإن المكلف مثلًا في كتب الفقه، شرطه أن يكون مسلمًا، كأن يقال شرط المصلي أن يكون مكلفًا، فإن شرطه الاول أن يكون مسلمًا، لكنك لو قلت كلمة المكلف في كتب التوحيد، فإنه لا يشترط فيها إلا أن يكون المرء امرئًا عاقلًا، يفهم ما يخاطب به، وليس شرطه الإسلام؛ لأن التوحيد مخاطبٌ به غير المسلم والمسلم، بخلاف الصلاة، فإن المرء لا يقوم بها، ولا يُلزم بها إلا أن يسلم؛ فهذا لفظٌ اختلف معناه من باب.
و جهل الأمة بمدلول اللغة، و بمدلول عبارات القرآن وكلام الفقهاء ـيؤدى بهم إلى التلعب في عقولهم؛ ومن ذلك ما ترون من كلمة (حربيٍ) مثلًا، حتى إن بعضهم استعاض بكلمة (المدنيين) ؛ وهو لفظٌ ما دام أنه لم يطلق في كتب الفقهاء، فلا بد أن يكون معاصرًا، فلو قلبت كتب الفقه جميعها، لتعرف أين هي كلمة (المدنيين) ، لا تجدها مثلًا، وهي كلمةٌ معاصرة، ولا حرج من استخدامها، لكن الأولى أن تخاطب حين يكون الخطاب فقهيًا، أن تخاطب الناس بكلمة الفقهاء، ثم أن تبين معناها بما يفهمون؛ فكلمة (المدني) نسبةٌ لمدينة، وهي مثل لو قلت (قروي) نسبةٌ لقرية، وهذه كلماتٌ لم يعلق الشرع عليها أحكامًا، أي أن يكون المرء مدنيًا، أو أن يكون قرويًا، أو أن يكون بدويُا مثلُا.
وكذلك كلمة (الحربي) ، انظروا إلى تلعُب بعض المشايخ فيها من المعاصرين، فإن كلمة (الحربي) في لغة الناس العامة، يفهمون فيها من حارب: أي من قاتل؛ ولذلك يأتوا إلى كتب الفقه ليبحثوا عن كلمة حربي، ليفسروها بما جرت به العامة من هذا اللفظ، ما جرت به كلمة المعاصرين من هذا اللفظ، وليس على مدلول ما تواضع الفقهاء عليه من كلمة (حربي) ، وأن الحربي: هو كل كافرٍ لم يحصل له الأمان، ولم يحصل له الإيمان؛ فيتلعبون بهذه الكلمة.