وهذا جرى عليه الكثير من المعاصرين، حيث علقوا أحكامًا على هذه الكلمات، على طريقة الإفساد بهذه الكلمات، وهو أشبه هذه اللعبة في استخدام الألفاظ؛ هي أول لعبةٍ إبليسيةٍ في إفساد أديان الناس وعقائدهم. فإن إبليس ما دخل إلى نفس آدم، إلا عندما عامله بألفاظٍ جديدة؛ حيث سمى الله -عز وجل- له الشجرة بشجرة المعصية، وقد جاء إبليس وسماها له بـ {شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى} .
ولذلك (إن من البيان لسحرًا) ؛ و السحر يغير ويفسد على الناظر نظره، وكذلك الكلمات إذا استخدمت في غير مجالها، ووضعت في غير مكانها، تؤدي إلى التخييل؛ كما أن التخييل يقع على العين بسحر الساحر، الذي تواطأ مع الشيطان، فكذلك يقع التخييل في العقل من خلال إفساد المعاني لهذه الألفاظ العظيمة.
والواجب على المسلم:
أولًا: أن يتعلم تلك الكلمات بما نزلت عليه لغة العرب، فأول فساد دخل على الأمة أنها دخل فيها اللحن، وهذا الدين أيها الإخوة الأحبة دينٌ عظيم، لكن له أوعية، هذا الدين عظيم لكن أوعيته يجب أن تكون عظيمة؛ وإن الشيء العظيم ليوضع في الآنية الفاسدة فيفسد، وكذا هذا الدين. هذا دينٌ عظيم، هذا هو الحق، هذا هو الهدى؛ الحق الذي ضده الباطل، فهو حقٌ بثباته، حقٌ بصوابه، حقٌ في آثاره على القلوب، وآثاره على حياة الناس.
وإن هذا الدين هدى، والهدى هو الضوء، هو النور، هو الذي يعرفك بحقائق الأشياء، ويدلك عليها، ويحضك على سبل الحق فيها؛ أنت مهدي: أي أنت تبصر، عندك نورٌ تبصر به. وهذا الدين هدى، فهو حقٌ و هدى، حقٌ في ذاته، حقٌ في آثاره على الناس؛ وهو هدى، نورٌ في ذاته، و كذلك نورٌ للآخرين؛ لكن هذا الحق و هذا الهدى، حين ينزل على تلك الأواني الفاسدة؛ إما أن تكون تلك الأواني أوعية لفظية فاسدة، وإما أن تكون أوعية فاسدة نفسية.
إذا نزل هذا القرآن على عقل متكلمٍ فاسد، و تعامل معه بغير لغة العرب، فإلى ماذا يجره هذا القرآن؟ وأنتم ترون حتى كبار الزنادقة، يحتجون بكتاب الله -عز وجل-، حتى كبار الزنادقة و الكفرة يحتجون بكتاب الله، ألم يقرؤوا قوله -سبحانه و تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} ، فقالوا: (البقرة هي عائشة) ، نزل هذا الكتاب الهدى على آنيةٍ فاسدة، ففسدت معانيه في نفوس أصحابه.
وهذا الذي قال الله -عز وجل- عنه: {يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} ، فأولًا: الأمة