فسدت في لسانها، فسدت في لغتها، ولم تعرف مدلولات الألفاظ التي كان يتخاطب بها العرب؛ حيث حجمها البعض، وأفسدها عن طرائق فاسدة من استخدام لغة الآخرين، وتعاملهم مع القرآن من خلال لغتهم.
أما المصيبة الثانية: فهي جهل الأمة بالسنة. القرآن أيها الإخوة الأحبة كتابٌ عظيم، وجوامع الكلم فيه، وهو قواعد عامة جليلة، ولا يمكن للمرء أن يفهم مراتب الكتاب إلا بفهمه للسنة، لا يمكن للمرء أن يفهم كتاب الله إلا بفهمه لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ السنة شارحة و مفصلة لعمومات هذا القرآن، وجهل الأمة بهذه السنة، وبتاريخ هذه الأمة، التي فسرت كتاب الله، جعلت تلك المعاني تقع على قلوب الناس على معنًى فاسد.
فالواجب أيها الإخوة الأحبة! قبل أن نجري الأحكام، وهي مرتبةٌ تسبق على إجراء الأحكام، وهي مرتبةٌ تسبق أي جماعة تريد أن تتعامل مع الواقع؛ عليها أولًا: أن تحدد مدلول هذه الألفاظ، وأن تجليها، وأن تذهب عنها غبشها وما دخل فيها من فساد، وأن تزيل ما دخل فيها من دخن، وأن تدخل فيها ما أخرجته الأمة منه. أضرب لكم مثالًا: فقد شاع بين الناس، أن كلمة (مكروه) مثلًا لا تفيد شيئًا من تلك المعاني، التي تدل على أي نوع من الحرمة؛ فلو سألت سائلًا وقلت له: ما معنى كلمة (مكروه) ؟ لقال لك: حدُها ما لم يعلق الله -عز وجل- عليه إثمًا.
لأنهم يرون أن الحرام مثلًا: هو ما نهى عنه الشارع نهيًا جازمًا، وعلق عليه إثمًا وعلق عليه عقوبة. كلمة (مكروه) : كلمةٌ صارت بين الناس، وخف أثرها على قلوب المخاطبين؛ فلو سألك سائل: ما حكم هذا؟ وقلت له: مكروه؛ فإنه يستمرئ هذا الذي أطلقت عليه هذا الحكم، يستمرئه ويقبل عليه وهو لا يشعر بإثمٍ يحيك في صدره، ويقبل عليه ولا يشعر أنه معلقٌ عليه نوع حرجٍ أو نوع إثم؛ لأنه لا يرى الإثم إلا معلقًا على من اقترف ما يقال له الحرام.
وأما (المكروه) فليس فيه هذا المعنى، وليست فيه هذه الدلالة؛ مع أن كلمة (مكروه) كما يقول الشاطبي -عليه رحمة الله- بهذا المعنى؛ أي كلمة مكروه حتى ضمن وضعها في الأحكام الخمسة، أي ما كان قسيمًا للحرام، لم تُعرف في كلام السلف، لا في كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا في كلام أصحابه، ولا في كلام الأوائل. فإن (المكروه) يحمل ثِقلًا من الإثم، ويحمل ثِقلًا من الحرج لو تدبره المرء.
بل كان الأوائل أيها الإخوة الأحبة! كان الأوائل ربما يطلقون المكروه على الحرام؛ يقول العالم أكره هذا، ويقصد به الحرمة، ولكنهم يفرقون بين ما جاء النص به، خصوصًا في الحرمة، فحينئذ يطمئنون