الصفحة 8 من 15

إلى إطلاق لفظ الحرمة عليه، وبينما هو قد اختلف الناس فيه؛ ولذلك لو قلبت كتب السلف، كمصنف ابن أبي شيبة -عليه رحمة الله-، فإنك ترى كثيرًا من المحرمات، يعنونوها بقول: (باب كراهة كذا) ، و إنما يقصد بها الحرمة.

وقد نبه على هذا جمعٌ من الأئمة؛ منهم ابن تيمية، ومنهم ابن القيم، وأصاب فيها ابن القيم -عليه رحمة الله- كثيرًا؛ وهو أن لفظ (الكراهة) في لغة السلف، ربما يقصد بها كثيرًا (التحريم) ، فأين هذه الدلالة في تلك العبارة (مكروه) ؟ بينما هو في نفس من سمعها من الأوائل، وبين ما تسمعها أنت إذا قيل مكروه، ربما يأتي عليها ولا يشعر بالحرج، مع أن فيها الإثم، ونوعٌ من الإثم، ولا شك فيها.

لهذا أيها الإخوة، يجب على الأمة؛ أولًا: حين تريد أن تخرج من كبوتها، يجب عليها أن تحدد المصطلحات، وأن تعرفها على حقيقتها؛ عليها أن تتعامل بها من خلال وضع الشارع لها، وبما تعامل فيه السلف؛ لأن لا تركب الكلمات على غير حقائقها؛ فيصبح العدو صديقًا، ويصبح الحبيب عدوًا.

وأنتم ترون هذا يشيع بين الناس وبين المسلمين، يستخدمون كلمات في غير موضعها، وبالتالي يعلقون أحكامًا على غير وجهها؛ هذا الأمر هو الذي أفسد الأمة، فربما يقاتل الأخ أخاه، وربما يبرأ المسلم من أخيه، وربما كذلك يصادق الرجل ويوالي عدوه وهو لا يدري؛ فأول أمرٍ في مشروع خروج الأمة من فسادها الذي هو فيه، أن تعرف دلالات الكتاب، وأن تعرف دلالات السنة، كذلك عليها أن تعرف هذه الدلالات في معانيها المطلقة، ويجب عليها أن تطبقها على واقعها، وهذا هو شأن علمائنا، هذا هو شأن الكبار في تاريخنا أيها الإخوة، وما من عظيمٍ في أمتنا إلا كان هذا نهجه، كيف؟

بصر العالم بالعلم قويًا في النظر إلى الأمور، وإدراكه للقضايا إدراكٌ ينبع من حساسيته المفرطة، من دلالة هذه الكلمات على موضوعها؛ حين قال ناسُ لأبي بكر، طبعًا أبو بكر -رضي الله عنه- حارب المرتدين، ولم يختلف الصحابة في حرب من قال بنبوة مسيلمة، ولكن رجلًا يأتي ويقول: أنا لا أريد أن أؤدي الزكاة إلى أبي بكر، أنا أؤدي الزكاة بنفسي ولا أعطيها لأبي بكر. تلك مرتبة من مراتب من قاتلهم أبو بكر، ودخلوا تحت قتال الردة إثمًا، مع الاختلاف في نوع قتالهم حكمًا.

إدراك أبو بكرٍ لتلك المصيبة، لتلك الطامة، لهذا السهم الذي يريد أن ينفلت من الجماعة، هو إدراك الرجل المؤمن المهتدي المبصر بنور الحق، أنه رأى في هذا بداية فتنة، فيما لو تركت لجرت على الأمة الفساد العظيم، وتشتتت جماعة المسلمين؛ وحينئذ لا يمكن لهذه الجماعة أن تصل إلى أهداف القرآن، ولا إلى أهداف السنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت