الصفحة 9 من 15

بصر العالم التتار عندما دخلوا، وتكلم الناس فيهم، بل إن البعض لم يرى جواز قتالهم؛ أن يأتي هذا العالم ليبصر دلالة الكتاب، ويطبقها على أفرادها وعلى أنواعها في الواقع، لم يكن لها إلا رجالٌ قلة، لم يكن لها إلا رجلٌ قال كلمة فصارت بين العلماء وكشفت الحق. الآن أيها الإخوة الأحبة! الأمة تعيش في فرقة، وتعيش تنازع، وفيها المذاهب، وفيها الأفكار، وفيها المناهج، وفيها الجماعات؛ تخرج قضيةٌ من القضايا، فيلوك الناس بها، ويتحدثون حولها، وترى البعض يجعل قائده وهاديه في حل المشكلة، ساسه وفطرته؛ لأنه يرى تلك العبارات التي يطلقها شيخٌ هنا وشيخٌ هناك، وجماعةٌ هنا وجماعةٌ هناك، وخطيبٌ هنا و خطيبٌ هناك، يراها متنازعة.

وبتلك العبارات التي تطلق فيها كتاب الله، الرجل يقول: قال الله، ما من شيخٍ إلا وهو في خطبته وفي فتواه، وهو يقول: قال الله وقال رسوله -صلى الله عليه وسلم- وقال العلماء؛ فهو يبصر إذا كان كثير التنقل، يكثر السماع بين هذا و هذا، فلا يصل إلا إلى الحيرة؛ حينئذ يسقط من قلبه التقدير لما يسمع، يرى يقول: لو كان هؤلاء يقولون حقًا لما تنازعوا، حينئذ يئوب إلى فطرته، وتلك الفطرة في هذه الأيام مدنسةٌ بالهوى، مدنسة بالمعصيةٌ، لم ينشأ واحدٌ منا في بيئة.

يقول لو كان هؤلاء يقولون حقًا لما تنازعوا، حينئذ يئوب إلى فطرته، وتلك الفطرة في هذه الأيام مدنسة بالهوى، متدنسة بالمعصية، لم ينشأ واحد منا في بيئة.

وأول ما حفظ من المحفوظات هو كلام الله، ولم ينشأ في بيئة الطاعة، في بيئة المساجد، في بيئة الجهاد، في بيئة إقامة الحدود، في بيئة ستر المعاصي، حفظ العرض، حفظ المال، قوة الإسلام؛ فمِزاجه فطرته قد فسدت، فطرته قد فسدت، ومن هنا يأتي التنازع؛ هذا التنازع الذي تقع فيه الأمة، هو بسبب جهلها، ما لو علمت دلالة هذا المصطلح، كيف تطبقه على واقعه؟

وهذا يتطلب من المرء علمًا ثانيًا: ما هو هذا العلم؟ أن يكون بصيرًا بواقعه، عالمًا بحال أهل زمانه، وأن لا يكون يعيش ببرجٍ عاج، يتعامل مع الواقع من خلال كتاب، ومع الجماعات وأحوال الأمة من خلال الرسائل؛ لا بد أن يكون حيًا مع الأمة، يعيش وسطها، يمارس ما تمارس، فإن الأعرابي كان يدخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو بين أصحابه، فيقول أيكم محمدًا؟ لأنه يعيش بينهم، ولما يسمع أهل المدينة جلبة عظيمة، يخرجون إليها من بيوتهم، وفي منتصف الطريق يرون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- راجعًا، هم ذاهبون ليروا ما حل، ولماذا هذا الصوت؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت