وكان مِن الصحابة الذين استقروا في البلاد المفتوحة مَن لم يشهدْ العرضة الأخيرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقفْ على ما نُسخ من أحرفٍ وقراءات في هذه العرضة، بينما وقف صحابة آخرون على ذلك، وكان كلُ صحابي يقرأ بما وقف عليه من القرآن، فتلقى الناسُ عنهم ذلك، فاختلفت قراءاتُهم، وخطَّأ بعضُهم بعضًا.
وفي فتح أذربيجانَ وأرمينيةَ، في السنة الخامسةِ والعشرين من الهجرة اجتمع أهلُ الشام والعراق، فتذاكروا القرآنَ، واختلفوا فيه، حتى كادت تقع الفتنةُ بينهم، فكان حذيفةُ بن اليمان مشاركًا في هذا الفتحِ؛ فَذُعِر ذُعْرًا شديدًا، وركِب إلى عثمان في المدينة، ولم يدخل دارهَ حتى أتى عثمان، فقال له: (( يا أميرَ المؤمنين أدرك الناسَ. قال: وما ذاك؟! قال: غزوت مَرْج أرمينيةَ، فإذا أهلُ الشام يقرؤون بقراءة أبي بن كعب، فيأتون بما لم يسمع أهلُ العراق، وإذا أهل العراق يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود، فيأتون بما لم يسمع به أهلُ الشام، فيكفرُ بعضُهم بعضًا ) ).
وكان عثمانُ قد وقع له مثلُ ذلك، حتى إنه خطب في الناس، وقال لهم: أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون، فمن نأى عنى من أهل الأمصار أشدُ فيه اختلافًا، وأشدُ لحنًا، اجتمعوا يا أصحابَ محمد، واكتبوا للناس إمامًا.
وكتب عثمانُ إلى حفصةَ: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخُها في المصاحف، ثم نردُّها إليك، فأرسلت بها.
يقول زيد بن ثابت: فأمرني عثمان بن عفان أن أكتب مصحفًا، وقال: إني مُدخلٌ معك رجلًا لبيبًا فصيحًا، فما اجتمعتما عليه فاكتباه، وما اختلفتما فيه فارفعاه إليّ.
وفي رواية عن مصعبِ بن سعدٍ: فقال عثمانُ: من أكتبُ الناس؟ قالوا: كاتبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدُ بن ثابت. قال: فأيُّ الناس أعربُ وفي رواية أفصحُ ـ؟ قالوا: سعيدُ بن العاص. قال: فليمل سعيدٌ، وليكتب زيدٌ.