و الصحابي الرابع هو عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- فقد اعتزل الفتنة و لم يلابسها ، و عندما رأى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قد قرر الخروج إلى العراق و تهيأ له ، نهاه عن ذلك ،و قال له: ألزم منبر رسول الله -صلى الله عليه و سلم- فإن تركته لا تراه أبدا . فقال علي لأصحابه: إنه رجل صالح منا )) (1) .و في رواية أخرى أنه نصحه بعدم الخروج من المدينة ،و قال له: لئن خرجت منها لا ترجع إليها ،و لا يعود إليها سلطان المسلمين . فلم يعجب قوله بعض أصحاب علي ، فسبوه فتدخل علي و قال لهم: دعوه فنعم الرجل من أصحاب الرسول -عليه الصلاة و السلام- (2) .
و أما الصحابة الذين انتسبوا إلى إحدى الطائفتين ثم انسحبوا كلية من الفتنة ، فمنهم اثنان هما: أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري ،و جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنهما- ، الأول ولاه علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- إمارة الكوفة عندما انصرف إلى صفين (3) . لكن أبا مسعود لم يكن راضيا عما يجري في هذه الفتنة ، فكان يخطب في الناس و يقول لهم إنه لا يحب أن تقتتل الطائفتان ،و أنه يرجو أن يحقن الله تعالى دماءهم ، و يصلح ذات بينهم (4) . و كان يقول أيضا: (( ما أود أن تظهر إحدى الطائفتين على الأخرى ، فقيل له ماذا تريد ؟ قال: أن يكون بينهم الصلح . فلما قدم علي إلى الكوفة ،و سمع به ، قال له: اعتزل عملنا . فقال له أبو مسعود لما ؟ قال علي: إنا وجدناك لا تعقل عقلة . قال أبو مسعود: أما أنا فقد بقي من عقلي أن الآخر شر ) ) (5) .
(1) هذا الخبر إسناده جيد ، على ما ذكره ابن حجر في الإصابة ، ج4ص: 119 .
(2) ابن كثير: البداية ، ج 7 ص: 134 .
(3) الحاكم: المصدر السابق ج 3ص: 126 .
(4) الذهبي: الخلفاء الراشدون ،ص: 403 .و سير أعلام النبلاء ط بيروت ، ج2 ص: 495 .
(5) الذهبي: سير أعلام النبلاء ج2ص: 495 .