و الشاهد الرابع هو أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- لما طلب من أهل المدينة الخروج معه للتصدي لأهل مكة و الشام ، تثاقل عنه أكثرهم ،و لم يستجب له إلا ما بين: 4-7 من البدريين (1) . و هذا يعني أن المدينة - عاصمة الخلافة الإسلامية - ، التي كان يسكنها كثير من الصحابة ، لم يخرج منهم مع علي إلا عدد قليل .
و أخيرا يُستنتج مما ذكرناه أن الغالبية العظمى من الصحابة قد اعتزلوا الفتنة ، ما عدا قلة قليلة منهم قد شاركت فيها ، يقدر عددها بالأربعين صحابيا ، و قد يزيد على ذلك أو يقل .مما يثبت أن ما قاله الحافظ ابن حجر العسقلاني من أن جمهور الصحابة قد شاركوا في الفتنة ، هو غير صحيح تماما .
ثانيا: هل كان المعتزلون للفتنة على خطأ ؟:
ذهب الباحث أبو الأعلى المودودي إلى القول بأن الصحابة المعتزلين للفتنة ، كانت نواياهم حسنة أملا في درئها ، لكن موقفهم منها أدى إلى تفاقمها ،و بث الشك في قلوب الناس ، و كان على الأمة أن تتعاون مع علي بن أبي طالب لاستعادة الأمن و السلام للخلافة (2) . و هذا يعني أن المعتزلين كانوا على خطأ في اعتزالهم للفتنة ،و أنهم ساهموا في تفاقمها . فهل ما ذهب إليه المودودي صحيح ؟ . لا أوافقه على كل ما قاله ، و ردي عليه سيتركز فيما يأتي:
أولا إن كبار الصحابة المعتزلين للفتنة ، كانت معهم أحاديث نبوية صحيحة صريحة - سبق ذكرها - في الحث على اعتزال الفتنة ،و قد مدحهم فيها رسول الله -صلى الله عليه و سلم- و صوّب موقفهم منها . لذا فهؤلاء لم يكن في وسعهم ترك الأحاديث التي سمعوها من النبي- عليه الصلاة و السلام- ، ثم الالتحاق بالفتنة ليخوضوا في دماء المسلمين .
(1) ابن كثير: المصدر السابق ، ج7 ص: 231ن 234 .
(2) الخلافة و الملك ، الجزائر ، دار الشهاب ، د ت ، ص: 76-77 .