و رابعا أن مما يدل على أن المعتزلين للفتنة كانوا على صواب في موقفهم منها ، هو أن بعض كبار الذين خاضوا في الفتنة ، ندموا على خوضهم فيها ، منهم: علي و ابنه الحسن - رضي الله عنهما - فقد صحّ أن علي قال لابته الحسن -يوم الجمل- يا حسن ليت أباك مات قبل عشرين سنة . فقال له الحسن: قد كنت أنهاك عن هذا . فرد عليه: يا بني لم أر أن الأمر يبلغ هذا . و في رواية أخرى أنه ضم الحسن إلى صدره و قال: إن لله يا حسن ، أي خير يرجى بعد هذا ؟ (1) . و يروى أنه قال للحسن ليالي صفين: يا حسن ما ظن أبوك أن الأمر يبلغ هذا (2) . هذا و غيره هو الذي أوجب على علي بن أبي طالب أنه لو استقبل من أمره ما استدبر، ما فعل ما فعل (3) .
و خامسا أن مما يصوّب موقف المعتزلين للفتنة ، أن هذه الفتنة لم تحقق للمسلمين مصلحة في دينهم و لا في دنياهم ، فنقص الخير و ازداد الشر ،و سفكت الدماء ،و قويت العداوة و البغضاء ، و تفرّقت الأمة شيعا و أحزابا ،و لم يجتمع الناس على إمام واحد ، و ضعفت طائفة علي التي كانت أقرب إلى الحق ،و قويت طائفة معاوية . و معلوم أن الفعل الذي تكون مصلحته راجحة على مفسدته يحصل به من الخير أعظم مما يحصل من عدمه ، فترك القتال كان أفضل و أصلح و أخير (4) .
(1) عبد الله بن أحمد: نفس المصدر ج 2 ص: 566 .و ابن كثير: البداية ، ج7 ص: 247 .و الحاكم: المستدرك ، ج3ص: 420 .و ابن عبد البر: الاستيعاب ، ج 3 ص: 1371 .
(2) الذهبي: السير ، ج1 ص: 120 .و الخلفاء الراشدون ، ص: 336 .و ابن تيمية: المصدر السابق ، ط بيروت ، ج 3 ص: 180 .
(3) ابن تيمية: نفسه ، ج3 ص: 180 .
(4) نفس المصدر ، ج2 ص: 156، 204 ، 223 .و مجموع الفتاوى ، ج 4 ص: 44 .