أولا فقد روي عن عبد الله ابن عمر - رضي الله عنه - ما يعارض ذلك ، فإنه قال -بعد الفتنة -: (( كففت يدي ، فلم اندم ،و المقاتل على الحق أفضل ) ) (1) . و ثانيا أن تلك الرواية ذكرها ابن عبد البر بلا إسناد ، و هي إن صحت فمن المحتمل جدا أن ابن عمر يقصد بالفئة الباغية الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب و حاربهم ، و هم الذين صحت الأحاديث النبوية في ذمهم و تصويب موقف من قاتلهم (2) .
و ثالثا أنه صحّ الخبر عن ابن عمر أنه قصد بالفئة الباغية الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي ، فقد روي (3) عن روح بن عباد ، عن العوام بن حوشب ، عن عياش العامري ، عن سعيد بن جبير ، أنه قال: (( لما احتضر ابن عمر ، قال: ما آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث: ضمأ الهواجر ،و مكابدة الليل ، و أني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت بنا ، يعني الحجاج ) ) (4) .
و رابعا أنه لا يمكن أن يترك عبد لله بن عمر الأحاديث النبوية الكثيرة (5) ، التي ذمت الفتنة ، و حثت على اعتزالها ، و صوّبت موقف المعتزلين لها ، ثم هو يتخذ موقفا مغايرا لذلك و هو من أشد الصحابة تمسكا بالسنة كما هو مشهور عنه .
و خامسا أنه لا يعقل و من المستبعد جدا أيضا ، أن يندم عبد الله بن عمر -رضي الله - على عدم مشاركته في الفتنة بجانب علي بن أبي طالب ، و علي و ابنه الحسن - رضي الله عنهما - قد ندما على ما أقدما عليه في الفتنة ، و قد سبق و أن أثبتنا ذلك (6) .
(1) الذهبي: سير أعلام النبلاء ، ج3 ص: 213 .
(2) للتوسع في ذلك أنظر: ابن كثير: البداية و النهاية ، ج 7 ص: 309 و ما بعدها
(3) الإسناد صحيح ، على ما ذكره المحقق . الذهبي: السير ، ج 3 ص: 232 .
(4) نفسه ، ج3 ص: 232 .
(5) سبق ذكرها في الفصل الأول .
(6) أنظر: المبحث الثالث من الفصل الثاني .